facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




ما قبل الضمان ليس كما بعده


علاء مصلح الكايد
26-02-2026 12:04 AM

بسرعة البرق؛ تداعت مؤشرات رضا الاردنيين عن الحكومة وهوت الى مستويات لم تعهدها منذ تشكيلها، وانقلب التفاؤل الشعبي الكبير بأدائها الى سيول من الغضب والتشكيك والاتهامية، ولأول مرة منذ أعوام يتداعى مواطنون للنزول إلى الشارع احتجاجًا، قبل أن تتراجع الحكومة وتنزع الصاعق خشية من تفاقم الأزمة وتدحرج كرة الغضب الشعبي.

ورغم تراجع نسبة الغضب كميّا إلا أن حالة الاستياء والتشكيك بالمسودة البديلة ما زالت فعالة على منصات التواصل الاجتماعي، وتتداول بنودا نوعية لم تتطرق لها التعديلات.

وعليه؛ لن تكون علاقة الحكومة مع الشعب كما كانت عليه خلال عام ونصف، بل إن ما جرى سيجعل المسيرة دقيقة ومثيرة للحساسية في مفاصل عدة، نظرا لما أنتجته الأزمة من قناعات عامة؛ إما بعدم اكتراث صناع القرار لحساسية المسألة ابتداء؛ أو عدم تقديرهم السليم للآثار المحتملة للمسودة بصورتها الأولى، إضافة لما أثمره تفاعل جماعات الضغط إزاء مشروع القانون، وما أسفر عنه الضغط من تراجع حكومي، ما سيفتح الشهية الشعبية لذلك مستقبلا مرارا وتكرارا.

وستبقى الأسئلة الحرجة قائمة، هل قنعت الحكومة واكتفت بما أجراه المجلس الاقتصادي والاجتماعي من حوار ودراسة لتخرج المسودة الأولى بتلك الصورة القاسية؟ هل تفاجأت الحكومة بردود الأفعال الكبيرة؟ هل كانت خطة الحكومة ان تطرح السيناريو الاقصى ثم تتراجع نحو الأقل متنازلة عن قبولها الشعبي وحالة الطمأنينة المرتبطة بمدخرات الشعب وضمان مستقبله؟ هل عاينت الحكومة مصداقية خطابها بعد تحوله بنسبة ١٨٠ درجة بين المسودتين خلال أيام معدودة؟

وهنا يبرز السؤال الأكبر؛ هل كان الخلل في الغاية أم الوسيلة؟ وبتقديري أنه في الوسيلة.

فالموقع الوزاري سياسيٌّ لا فنّي، حتى فيما يطلق عليه حكومات التكنوقراط، ومجلس الوزراء رئيسا وأعضاء ليسوا مجرد أشخاص تم اختيارهم ليتخذوا القرارات فحسب، بل هو فريق مؤهل يتميز بالتجانس، يسير بخطى متناغمة، يتخذ القرار بناء على دراسة واقعية للأسباب الموجبة وتقدير دقيق للموقف من حيث السهولة أو الصعوبة، يقرر بعده اي الطرق أقل وعورة، انطلاقا من ادوات الاستفهام الثلاث التي يجب ان تسبق اي قرار (لماذا) و(كيف) ثم (متى).

وحتى أصعب القرارات تصلح للتسويق بناء على معادلة أساسها الشفافية، لكنها وحدها لا تكفي، وأوضح الأمثلة على ذلك من تاريخنا السياسي القريب قانون الضريبة الذي تحرّكت جموع المحتجّين لرفضه، لتأتي حكومة أخرى تقرّه كما هو - بصرف النظر عن محركات الجموع آنذاك-، فالعلّة ليست في القرار كغاية، بل العلّة في الوسيلة الأنجع التي توطّيء للقرار وتجعله مستساغا لدى الجمهور، بأقل قدر من المغالبة والمكاسرة، خاصة في المناطق الحمراء التي لها ارتباط بعيش المواطن وماليته ومستقبله، وبخلاف ذلك فإن أي شخص او مجموعة يمتلكون القدرة على اتخاذ اي قرار، لكن العبرة بالمهارة السياسية التي تجعل من متخذ القرار عليما ببواطن الأمور، حَسَنَ التقدير، محافظًا على ما يمتلكه من ثقة جماهيرية، مشيعاً للطمأنينة العامة لا مثيرا للمخاوف و الشكوك.

ومن أهمّ ما يجب وأن يرافق الكيفية الناجحة، صورة الحكومة بما فيه وحدة خطابها؛ فهي نخبة من أصحاب الخبرات المُسيَّسون، القادرون على اتخاذ القرار بهدوء وحكمة، يدرسون المعطيات، يحاورون الجمهور ضمن خطة مُحكمة وخطى تراتبية بأداء يحترم ذكاءه، وتزوده بكل ما يلزم لتسويغ القرار، من دراسات ومعلومات، بسعة صدر، لا بمظهر المُتعجِّل أو المُضطرّ، أو المنذر بكارثة، حتى في الملمّات والظروف الصعبة، فتلك الصورة مهمة وتشيع جوّا من الطمأنينة، وهذا ما يمنحها قبول الجمهور بولايتها الدستورية وأهليتها السياسية لإدارة شؤون البلاد، وكل تلك مهارات سياسيّة لا فنية، جماعية لا فردية.

كما أن الحكومات وإن لم تكن باحثة عن الشعبوية إلّا أن أساس ثقة الجمهور بأهليتها يتأتى من مصداقية طرحها، فلا تراجع إذا ما دقت ناقوس الخطر - حتى لا يشابه ذلك قصة الراعي والذئب-، فالمسألة تتعدى ان تكون مفاوضات مالية، أو مناورات بالأرقام، بل هي مرتبطة بمدى شعور المواطن بالأمان الحالي وضمان مستقبل كريم له وللأجيال، وهذا ما يستلزم وجود سيناريوهات أساسية واحتياطية لإدارة الأزمة، تمهيدية ولاحقة، مبنية على سيناريوهات دقيقة وخيارات متدرجة، وأهم سماتها مصداقية الطرح ودقة أسانيد القرار، لا إنذار بالخطر المحدق يتلوه تراجع بأعلى السرعات.

الاعتراض الشعبي والنيابي ظواهر صحية، والاستجابة الحكومية لها كذلك، وكلها ممارسات ديمقراطية تدلل على حيوية المشهد السياسي، لكن الكلف مهمة للحكومة وفقا لمقدار الغضب المتولد والذي قد يمتد كنهج ضد أي قرار مستقبلي، ولا مصلحة لأي حكومة بتحمل كل ذلك، بل الأولى لها بتجنبه ما أمكن.

لا ينكر أحد بأن عمل الحكومة دؤوب، وبرنامجها مبشر، وقراراتها الاصلاحية جريئة وذات آثار طيبة، لكن ادارتها لبعض الأزمات – برأيي – يحتاج الدراسة وإعادة النظر بآليات اتخاذ القرار في مطبخها السياسي.

فلو كان ما أعلن عنه بالأمس هو أساس الحوار منذ انطلاقه لما اضطرت ان تتراجع امام الغضب العارم، والذي قد يكون أساسا لحالة اعتراضية مستمرة - نيابيا وشعبيا - ترافق مسيرة الحكومة في قادم الأيام، انطلاقا من أن القرار مهما بلغت حدته وضرورته قابل للضغط والرجوع عنه، ولا شكّ بان النظريات السياسية تدلل على طردية تلك العلاقة بين أطراف المعادلة، لا سيما إذا تراكمت الحواجز المكسورة تلو كل أزمة.

هوامش المناورة جزء تقليدي واعتيادي في اللعبة السياسية، لكنها لا تصلح في كل الملفات، خاصة إذا بلغت نقطة الشكّ الجماهيري بأهلية الحكومة لإدارة المشهد، ومدى معرفتها المسبقة باحتياجاته ورعاية مصالحه، دون ضغط منه، بل الأصل أن الحكومات ادرى بما يناسب الشعب ويسوغ له، وهذه أساسيات ثقته وتسليمه لها بالولاية العامة.

على الحكومة أن تجري مراجعة موضوعية لما جرى، فليس من مصلحتها استمرار حالة الشك، ولن يخدمها اعتياد الجمهور الضغط عليها.

والله من وراء القصد.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :