facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الحرب الإقليمية وإعادة تشكيل الشرق الأوسط: من منطق الضربات إلى التوازنات


صالح الشرّاب العبادي
07-03-2026 10:38 AM

ليست الحروب الكبرى مجرد تبادل للضربات العسكرية، بل لحظات مفصلية يعاد فيها تعريف موازين القوة وإعادة رسم خرائط النفوذ ، وما يجري اليوم في الشرق الأوسط يتجاوز كونه مواجهة عسكرية بين إيران وإسرائيل أو حتى صراعاً يتداخل فيه الدور الأمريكي؛ إنه في جوهره اختبار عميق للنظام الإقليمي برمته، وللقدرة على إدارة التوازنات في منطقة طالما كانت مسرحاً لتقاطعات المصالح الدولية.

لقد دخلت المنطقة مرحلة جديدة من التصعيد تتسم بتعدد الجبهات وتشابك الأهداف ، فالمواجهة لم تعد تدور في فضاء جغرافي محدود، بل امتدت تداعياتها من الداخل الإيراني إلى جنوب لبنان، ومن الخليج العربي إلى ممرات الطاقة العالمية ، هذه الطبيعة المتشابكة للحرب تعكس تحوّلاً في نمط الصراعات الإقليمية، حيث لم تعد الجيوش وحدها هي الفاعل، بل باتت شبكات التحالفات غير التقليدية والقدرات الصاروخية والطائرات المسيّرة أدوات أساسية في إدارة المعركة.

من زاوية الولايات المتحدة، يبدو أن واشنطن تحاول إدارة الصراع ضمن حدود مدروسة، بحيث تحافظ على تفوقها العسكري وحماية مصالحها الاستراتيجية دون الانزلاق إلى حرب إقليمية شاملة ، فالولايات المتحدة تدرك أن الشرق الأوسط لم يعد ساحة الصراع الوحيدة في العالم، وأن الانخراط في حرب طويلة قد يستنزف قدراتها في وقت تتصاعد فيه المنافسة الدولية مع قوى كبرى أخرى، ومع ذلك فإن التقديرات الامريكية لم تتطابق مع ما يجري من صراع حتى هذه اللحظة ، بل بات ينزلق الى سوء تقدير وعدم القدرة على الحسم كما اوهمت اسرائيل أمريكا بهذا الواقع ..

أما إسرائيل، فإن استراتيجيتها في هذه المرحلة تقوم على مبدأ منع تشكل تهديد استراتيجي طويل المدى على حدودها. لذلك تركز عملياتها العسكرية على ضرب البنية الصاروخية وشبكات الدعم الإقليمي التي ترى أنها تمثل خطراً مباشراً على أمنها ، هذا النهج يعكس عقيدة عسكرية تقوم على الضربات الاستباقية وتقويض القدرات العسكرية للخصوم قبل أن تتحول إلى تهديدات استراتيجية يصعب احتواؤها.

في المقابل، تعتمد إيران على مقاربة مختلفة جذرياً في إدارة الصراع. فطهران تدرك أن موازين القوة التقليدية تميل لصالح خصومها، ولذلك تبني استراتيجيتها على مزيج من الصبر الاستراتيجي وحرب الاستنزاف ، هذا النهج يعتمد على توظيف القدرات الصاروخية ، واستثمار ما لديها من قوة ردع ، واحتواء التدخل الخارجي في بنية المجتمع، والتواصل مع شبكة الحلفاء الإقليميين كأدوات لخلق توازن ردع غير تقليدي يحد من قدرة الخصوم على تحقيق انتصار حاسم.

وفي خضم هذا الصراع الخارجي، يبرز عامل داخلي لا يقل أهمية عن المعركة العسكرية نفسها، وهو طبيعة المجتمع الإيراني المتعدد القوميات. فالتقارير التي تتحدث عن تحركات كردية في شمال غرب إيران مدعومة من اسرائيل وامريكا، مع حذر تركي وعين ترقب لوعود غربية لبناء دولة كردية تحقق احلام الأكراد على حساب التقاطع التركي الإيراني والعراقي السوري ، من اجل ايجاد خيط يخترق الداخل الايراني ، كل ذلك يعكس محاولة بعض الأطراف استغلال التنوع الإثني داخل البلاد للضغط على طهران من الداخل. غير أن التاريخ السياسي الإيراني يظهر أن الدولة الإيرانية، رغم تنوعها القومي، تمتلك مؤسسات أمنية وسياسية قوية قادرة على احتواء التوترات الداخلية ومنع تحولها إلى تهديد وجودي للنظام.

على المستوى الإقليمي، تبدو الدول العربية حذرة في تعاملها مع هذا التصعيد. فمعظم العواصم العربية تدرك أن الانخراط في مواجهة عسكرية مباشرة قد يفتح الباب أمام سيناريوهات غير محسوبة تهدد الاستقرار الاقتصادي وأمن الطاقة في المنطقة ، ولذلك تميل هذه الدول ومعها تركيا ، إلى تبني سياسة تقوم على احتواء التصعيد والحفاظ على التوازنات الإقليمية ، محاولة ضبط النفس لعدم الانجرار الى ما تحاول به كل من امريكا وإسرائيل بعد ان وجدت الدول العربية انها تتلقى الضربات دون الغطاء الموعود والحماية الوهمية ..

ويزداد هذا الحذر في ظل حساسية ممرات الطاقة العالمية، وعلى رأسها مضيق هرمز، الذي يمثل شرياناً حيوياً لتدفق النفط والغاز إلى الأسواق الدولية ، إن الاضطراب في هذا المضيق هو حدث إقليمي مهم ، تحول مباشرة إلى أزمة اقتصادية عالمية تضرب أسواق الطاقة يتصاعد تاثيره بشكل تصاعدي وسريع ضد استقرار الاقتصاد الدولي يوماً بعد اخر..

أما على المستوى الدولي، فإن الصين وروسيا تراقبان تطورات الصراع بعين استراتيجية حذرة. فكلا الدولتين ترتبطان بعلاقات سياسية واقتصادية مع إيران، لكنهما في الوقت ذاته لا ترغبان في الانخراط في مواجهة عسكرية مباشرة مع الغرب ، ولذلك يقتصر دورهما في هذه المرحلة على الدعم السياسي والدبلوماسي والدعوة إلى منع توسع الحرب ، وفي نفس الوقت يراقبان مع بعض دول الشرق الأقصى كيفية استنزاف وازدياد كلفة النزاع ، ولهما في افغانستان مثل على ذلك ..

السؤال الذي يفرض نفسه في نهاية المطاف هو: إلى أين تتجه هذه المواجهة؟

التجربة التاريخية تشير إلى أن الحروب الإقليمية المعقدة نادراً ما تنتهي بحسم عسكري واضح ، فغالباً ما تصل الأطراف المتحاربة إلى نقطة تدرك فيها أن كلفة الاستمرار في القتال أصبحت أعلى من كلفة التوصل إلى تسوية سياسية ، وفي ظل التوازنات الحالية، يبدو أن السيناريو الأكثر ترجيحاً هو استمرار الصراع في شكل حرب استنزاف محدودة، تتخللها محاولات دبلوماسية متواصلة لمنع تحولها إلى حرب إقليمية شاملة.

في نهاية المطاف، لا تكمن أهمية هذه الحرب في حجم الدمار الذي قد تسببه فحسب، بل في قدرتها على إعادة تشكيل ملامح النظام الإقليمي في الشرق الأوسط ، فالحروب الكبرى لا تكتب فقط نتائج المعارك، بل ترسم أيضاً حدود النفوذ وتعيد تعريف معادلات القوة التي ستحدد مستقبل المنطقة لسنوات طويلة قادمة.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :