facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




استدامة الضمان: لماذا لا يكفي تعديل القانون دون توسيع الاقتصاد؟


م. سعيد المصري
07-03-2026 03:40 PM

تعود قضية الضمان الاجتماعي في الأردن إلى صدارة النقاش العام مع طرح مسودة مشروع القانون المعدل لقانون الضمان الاجتماعي. وغالباً ما ينحصر النقاش في مثل هذه الحالات في تفاصيل المواد القانونية أو في شروط التقاعد المبكر وسنوات الاشتراك المطلوبة للحصول على الراتب التقاعدي. غير أن جوهر المسألة أعمق من ذلك بكثير. فأنظمة الضمان الاجتماعي في العالم لا تُقاس بمدى قدرتها على دفع الرواتب التقاعدية اليوم، بل بقدرتها على الاستمرار لعقود طويلة في مواجهة تغيرات ديمغرافية واقتصادية وسياسية متسارعة.

التعديلات المقترحة على القانون جاءت في سياق مفهوم يتمثل في محاولة إبطاء التدهور التدريجي في التوازن المالي للنظام. غير أن هذه التعديلات، مهما كانت أهميتها، لا تعني أن الفجوة بين إيرادات الاشتراكات ونفقات التقاعد ستختفي. فهذه الفجوة هي نتيجة مسار طويل من التحولات الديمغرافية التي تشهدها المجتمعات الحديثة، حيث ترتفع معدلات العمر المتوقع وتنخفض معدلات الإنجاب، ما يؤدي إلى تزايد أعداد المتقاعدين مقارنة بعدد الداخلين إلى سوق العمل. ومع مرور الزمن يصبح كل جيل عامل مطالباً بتمويل عدد أكبر من المتقاعدين.

وفي الحالة الأردنية، تتقاطع هذه التحولات الديمغرافية مع تحديات اقتصادية وهيكلية معروفة، مثل ارتفاع معدلات البطالة، واتساع حجم العمل غير المنظم، وضعف مشاركة المرأة في سوق العمل. كما أن الاقتصاد الوطني نفسه يعمل في بيئة إقليمية شديدة التقلب، حيث تؤثر الأوضاع الجيوسياسية في المنطقة على تدفقات الاستثمار والنمو الاقتصادي. وفي مثل هذا السياق يصبح من الصعب تصور أن أي تعديل تشريعي وحده قادر على إزالة الفجوة الاكتوارية التي تواجه أنظمة التقاعد.

إن ما يمكن أن تحققه التعديلات التشريعية في أفضل الأحوال هو إبطاء المسار الذي يقود إلى لحظة التعادل بين الإيرادات والنفقات. فرفع شروط التقاعد المبكر وزيادة سنوات الاشتراك يعنيان ببساطة أن العامل سيبقى في سوق العمل فترة أطول، وأن الصندوق سيحصل على اشتراكات إضافية قبل أن يبدأ في دفع الراتب التقاعدي. هذا الإجراء يخفف الضغط المالي على النظام، لكنه لا يغير الاتجاه العام الذي تفرضه التحولات الديمغرافية طويلة الأمد.

لهذا السبب فإن النقاش الحقيقي حول استدامة الضمان الاجتماعي يجب أن يتجاوز حدود النصوص القانونية ليصل إلى بنية الاقتصاد نفسه. فكل اقتصاد قادر على النمو وجذب الاستثمارات وخلق فرص عمل جديدة سنوياً يضيف تلقائياً آلاف المشتركين الجدد إلى نظام الضمان. وكل وظيفة جديدة تعني اشتراكات إضافية تدخل الصندوق، وهو ما يقوي مركزه المالي بصورة طبيعية دون الحاجة إلى رفع الاشتراكات أو تشديد شروط التقاعد.

ومن هذه الزاوية يصبح جذب الاستثمارات أحد أهم عناصر حماية نظام الضمان الاجتماعي. فالاستثمارات الإنتاجية لا تسهم فقط في توسيع قاعدة المشتركين في الضمان، بل تساهم أيضاً في توسيع القاعدة الضريبية للدولة، الأمر الذي يساعد في تخفيف العجوزات المزمنة في الموازنات العامة ويخلق بيئة اقتصادية أكثر استقراراً. وعندما ينمو الاقتصاد ويتوسع سوق العمل يصبح نظام الضمان أكثر قدرة على التوازن، لأن العلاقة بين عدد المشتركين وعدد المتقاعدين تتحسن بصورة تدريجية.

غير أن الاستدامة المالية للنظام لا تعتمد فقط على الاشتراكات، بل أيضاً على الطريقة التي تُدار بها أموال الضمان نفسها. فصندوق استثمار أموال الضمان الاجتماعي أصبح اليوم واحداً من أكبر الصناديق الاستثمارية في المنطقة. ومع ذلك فإن هيكل محفظته الاستثمارية ما يزال يميل بدرجة كبيرة نحو أدوات الدين والسندات الحكومية. هذا التوجه يوفر مستوى عالياً من الأمان والاستقرار، لكنه في الوقت ذاته يحد من قدرة الصندوق على تحقيق عوائد أعلى على المدى الطويل.

إن التجارب العالمية في إدارة صناديق التقاعد تشير إلى أهمية تحقيق توازن بين الاستقرار والعائد. ففي معظم هذه الصناديق لا تتجاوز حصة السندات الحكومية عادة ربع أو ثلث المحفظة الاستثمارية، بينما تتجه بقية الاستثمارات نحو الأسهم المحلية والعالمية وصناديق الاستثمار المتنوعة. هذا التنويع لا يهدف فقط إلى زيادة الأرباح، بل إلى توزيع المخاطر وتحقيق نمو مستدام في قيمة الأصول عبر الزمن.

وفي حالة الأردن يصبح هذا التنويع أكثر أهمية، لأن الاقتصار على الاستثمار في النشاطات المحلية أو في أدوات الدين الحكومية يجعل أداء الصندوق مرتبطاً بشكل مباشر بأداء الاقتصاد المحلي، وهو اقتصاد يتأثر بدوره بعوامل إقليمية وجيوسياسية معقدة. أما توزيع الاستثمارات على أسواق مختلفة في العالم فيمنح الصندوق قدرة أكبر على مواجهة التقلبات الاقتصادية.

ومن هنا تبرز أهمية إعادة النظر في هيكل الاستثمارات بحيث تبقى السندات الحكومية ضمن حدود تضمن الاستقرار المالي، من دون أن تتجاوز حدوداً معقولة قد تتراوح بين ربع وثلث المحفظة الاستثمارية. أما الجزء الأكبر من الأصول فيمكن أن يتجه تدريجياً نحو استثمارات أكثر تنوعاً في الأسهم المحلية والعالمية، بما يسمح برفع العائدات السنوية للصندوق وتحويلها إلى صمام أمان قوي لنظام التقاعد.

في النهاية، لا يمكن لأي تعديل قانوني أن يضمن استدامة نظام الضمان الاجتماعي بمفرده. فالقوانين يمكنها أن تعالج جانباً من الخلل، لكنها لا تستطيع تغيير الاتجاهات الديمغرافية أو خلق فرص العمل أو إدارة الاستثمارات بكفاءة. الاستدامة الحقيقية لنظام الضمان تتشكل عندما يلتقي اقتصاد قادر على النمو وجذب الاستثمارات مع إدارة استثمارية حكيمة لأموال الصندوق، وعندها فقط يصبح نظام التقاعد أكثر قدرة على مواجهة تحديات العقود القادمة دون أن يتحول إلى عبء على الأجيال القادمة.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :