* الإشاعات والذباب الإلكتروني الذي يستهدف الوعي الوطني وضرورة تحصين الجبهة الداخلية
في زمن تتسارع فيه المعلومة أسرع من قدرتنا على التحقق منها ، لم يعد الإعلام مجرد وسيلة لنقل الأخبار، بل أصبح ساحةً للصراع الخفي على العقول والوعي ، فالكلمة اليوم قد تكون أشد أثراً من السلاح ، والصورة العابرة على شاشة الهاتف قد تحمل في طياتها ما يكفي لزرع الشك أو الخوف أو الانقسام داخل المجتمع، ومن هنا تظهر خطورة الإشاعات والأخبار المفبركة والمعلومات المضللة التي قد تُوجَّه ضد الدول والمجتمعات ، ومنها الأردن وشعبه.
إن أخطر ما في الإشاعة أنها لا تعيش بقوة حقيقتها ، بل بقوة القابلية لتصديقها ، فهي تتسلل إلى العقول حين يضعف الوعي، وتنتشر حين يغيب التحقق ، وتكبر حين يعاد تداولها بلا تفكير ، ولذلك فإن المعركة الحقيقية ليست مع الخبر الكاذب ذاته ، بل مع الفراغ المعرفي الذي يسمح له بالانتشار.
وفي هذا السياق يظهر ما يُعرف في الفضاء الرقمي بظاهرة الذباب الإلكتروني ؛ وهو تعبير يصف الحسابات أو الحملات المنظمة التي تعمل على نشر معلومات مضللة أو تضخيم أحداث معينة بهدف خلق حالة من الارتباك أو التشكيك داخل المجتمع ، وغير أن هذه الظاهرة ، مهما بدت واسعة الانتشار ، تبقى محدودة التأثير عندما تواجه مجتمعاً واعياً يدرك أن كل ما يُنشر ليس بالضرورة حقيقة.
إن تحصين الجبهة الداخلية لا يبدأ بالإجراءات التقنية فقط ، بل يبدأ من الوعي. فالوعي هو الحارس الأول للعقل الجمعي ، وهو الذي يحول دون تحول المجتمع إلى ساحة مفتوحة للشائعات ، وعندما يمتلك المواطن القدرة على التساؤل والتحقق والتفكير النقدي ، يصبح أقل عرضة للانجرار خلف الأخبار المثيرة أو الروايات المضللة.
كما أن قوة المجتمع لا تُقاس فقط بما يملكه من إمكانات مادية ، بل بما يمتلكه من تماسك وثقة متبادلة بين أفراده ومؤسساته ، فالمجتمع الذي يدرك أن الاختلاف في الآراء لا يعني الانقسام ، وأن النقد لا يعني الهدم ، يكون أكثر قدرة على مواجهة محاولات التشويه والتضليل.
ومن هنا تبرز مسؤولية الإعلام المهني، الذي لا يكتفي بنقل الخبر، بل يسهم في بناء الوعي وتقديم الحقيقة في إطارها الصحيح ، فالإعلام الحقيقي هو الذي ينير الطريق أمام الناس ، لا الذي يزيد الضباب كثافة.
إن حماية المجتمع من الإشاعة ليست مهمة جهة واحدة ، بل هي مسؤولية جماعية تبدأ بالفرد ، فكل مشاركة لخبر غير موثق قد تكون لبنة في بناء الوهم ، وكل موقف واعٍ من خبر مشكوك فيه قد يكون خطوة في حماية الحقيقة.
وفي النهاية، يبقى الوعي هو السور الحقيقي الذي يحمي المجتمعات ، فحين يدرك الناس قيمة الكلمة وخطورة المعلومة المضللة ، تصبح الإشاعة مجرد صوت عابر في فضاء واسع من الفهم والعقلانية ، وعندها تتحول الجبهة الداخلية إلى مساحة من الثقة والوعي والتماسك ، يصعب اختراقها مهما تعددت محاولات التضليل.
حمى الله الهوية الوطنية الاردنية من كل سوء