الزمن في رمضان .. تكثيف المعنى وانكشاف الغاية
د. بركات النمر العبادي
09-03-2026 10:04 AM
الزمن في الرؤية الإسلامية ليس تعاقبَ ساعاتٍ صامتة بين الليل و النهار، بل هو وعاءُ التكليف ومجالُ الاستخلاف ، لذلك أقسم الله به في كتابه : ﴿وَالْعَصْرِ﴾ ، تنبيهًا إلى أن الخسارة أو النجاة إنما تُقاسان بكيفية ملء اللحظة لا بطولها ، فالإنسان ليس كائنًا يعيش في الزمن فحسب ، بل كائنٌ يُمتحَن به ؛ وكل آنٍ إما أن يرتقي به نحو الغاية : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ ، أو يبدّده في غفلةٍ تُفرغه من معناه.
ويأتي رمضان ليحوّل الزمن من امتدادٍ كميّ إلى كثافةٍ روحية ، فالصوم يبطئ الإيقاع الحسي ، فيستعيد القلب وعيه بذاته وفقره : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾. في الجوع صفاء، وفي الدعاء حضور، وفي القيام امتدادٌ نحو الأبد ، وتبلغ هذه الكثافة ذروتها في ليلة القدر التي هي ﴿خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ ؛ حيث تتفوق قيمة اللحظة على طول السنين، ويُعاد تعريف العمر بمعيار البركة لا العدد.
وقد لخّص ابن القيم هذا المعنى حين قرر أن الحياة الحقيقية هي ما عُمِّر بالطاعة ، وأن الأيام الخالية من الذكر ليست من العمر في شيء ، فالزمن الأصيل في التصور الإسلامي هو ما امتلأ حضورًا بين يدي الله ، لا ما امتلأ حركةً في دنيا الناس ، ومن هنا كان اغتنام اللحظة ضربًا من الوعي بالمصير، وإدراكًا أن كل ساعةٍ يمكن أن تتحول إلى زادٍ للقاء الله.
هكذا يصبح رمضان مدرسةً لإعادة اكتشاف الزمن : لا بوصفه خصمًا يفنينا ، بل رفيقًا يقرّبنا إن أحسنّا صحبته ، و كل لحظةٍ فيه قابلةٌ لأن تُرفع إلى مقام القربة ، وكل يومٍ مشروعُ بناءٍ روحي متكامل ، فإذا تعلّم الإنسان أن يملأ زمنه بالمعنى ، صار الشهر الكريم تجربةً وجودية تعيد وصل الحاضر بالأبد ، وتكشف أن قيمة العمر ليست في امتداده ، بل في صدق توجهه إلى الغاية الإلهية.
وهكذا يتجلّى رمضان بوصفه تكثيفًا للمعنى في الزمن ، وتحريرًا للإنسان من سطحية العبور إلى عمق الحضور؛ فيغدو العمر، لا بعدد سنواته ، بل بصدق لحظاته
متعكم الله بفهم الغاية من وجودكم وحسن استمثمار الزمن بمعرفة الله وسبل خشيته
حمى الله الاردن واعاذه من شر كل كريهتا
* حزب المحافظين الاردني