"ثورة بيضاء" في دهاليز المراكز الصحية المستأجرة
فيصل تايه
09-03-2026 12:21 PM
بجرأة استثنائية تكسر جمود البيروقراطية، اتخذ وزير الصحة الدكتور إبراهيم البدور قراراً استثنائياً ، ذلك بتغيير واقع (٤١) مركزاً صحياً مستأجراً ثبت أنها لم تعد صالحة لخدمة الإنسان الأردني ، اذ ان هذه الخطوة الجريئة ليست مجرد إجراءٍ إداري، بل هي لحظة فاصلة في تاريخ إدارة الخدمات الصحية، تعلن بوضوح أن الوزارة مستمرة في نهجها الاصلاحي وقررت التحرك من قلب الميدان مباشرة، تاركة خلفها عهد الجداول الورقية والتقارير المكتبية الجافة.
ولم يكن هذا القرار وليد الصدفة، بل جاء ثمرة لعمل ميداني دؤوب، وجولاتٍ مفاجئة اقتحمت واقع أكثر من (٢٥٠) مركزاً صحياً ، وهناك، لم تكتفِ الفرق الرقابية بالنظر إلى القشور، بل غاصت في التفاصيل : من الحالة الإنشائية المتهالكة إلى نقص الكوادر والأجهزة، لتقدم تشخيصاً دقيقاً وسريعاً ، إنها عقلية إدارية جديدة، ترفض الوصاية من خلف المكاتب، وتؤمن بأن "الأرقام الصماء" لا يمكن أن تصف معاناة المواطن اليومية.
هنا، نتحدث عن تحول فلسفي عميق ، فالمراكز الصحية ليست مجرد "مبان" مبعثرة، بل هي خطوط الدفاع الأولى عن أمننا الصحي ، والجودة الحقيقية تبدأ من "بيئة المكان" ، فالمواطن الذي ينتظر في ممرات ضيقة ومبان غير مؤهلة، لا يعاني من نقص الخدمة فحسب، بل من شعور بالخذلان والإحباط، لذا، فإن قرار "البدور" هو في جوهره "ردُّ اعتبار" لكرامة المواطن، وتحسين لبيئة العمل لتلك الكوادر الطبية التي تقف بشموخ في الخطوط الأمامية.
إن الرسالة الأهم التي يبرقها هذا القرار لكل مستويات الدولة هي: "أن الإصلاح الحقيقي يبدأ من الأرض" ، فالمسؤول الذي ينزل إلى الشارع ويرى الواقع بعينيه، هو وحده القادر على اتخاذ قرارات حاسمة تنهي حقبة "الشعارات السياسية" الجوفاء ، وهذا التوجه يعكس التزاماً حقيقياً بالمعايير العالمية، حيث يصبح المواطن هو "البوصلة" والمحرك الأساسي لكل خطط التطوير، من خلال توفير بيئة عمل تحترم الإنسان وتسهل وصول المراجعين.
وبعيداً عن الجوانب الفنية، يحمل هذا القرار بعداً اجتماعياً وإعلامياً ثقيلاً ، فهو يفتح باب المكاشفة والشفافية، ويعيد بناء جسور الثقة المفقودة بين المواطن ومؤسساته ، فعندما يرى الناس تغييراً ملموساً في قراهم وأحيائهم، يدركون أن صوتهم مسموع، وأن حقوقهم في "حياة صحية كريمة" مصانة لا تقبل التأجيل.
إن الرقم (٤١) ليس مجرد رقم إحصائي، بل هو حياة آلاف الأردنيين التي ستتغير نحو الأفضل، وهو معيار جديد لقياس أداء الوزارات : "الميدان أولاً، والمواطن دائماً" ، إنه قرار يعيد تعريف مفهوم الرعاية الصحية الأولية ويجعل من الشفافية والجرأة المعيار الحقيقي للنجاح.
ختاماً ، فان وزارة الصحة اليوم لا تعلن عن استمرارها في برنامجها الإصلاحي ، بل "تمارسه" فعلياً على الأرض بجرأة وشفافية ، وهذا النوع من القرارات هو ما يجعل المواطن، والإعلام، وحتى أعلى مستويات الحكومة، يلتفتون باهتمام لإعادة التفكير في كيفية إدارة الخدمات العامة، ليكون الإنسان دائماً هو الغاية والهدف.
والله ولي التوفيق