من الثورة إلى التوريث: الدولة السلطانية الإيرانية في ضوء تحليل العروي
د. آمال جبور
10-03-2026 12:10 PM
لم يكن مفهوم الدولة السلطانية الذي طرحه المفكر المغربي عبد الله العروي مجرد وصف تاريخي لنمط حكم قديم في العالم الإسلامي، بل كان محاولة لفهم كيفية عمل السلطة عندما تتركز في يد شخص واحد، حتى في وجود مؤسسات تبدو حديثة في الشكل. واليوم، تبدو هذه الفكرة مفيدة لفهم ما يحدث في إيران، خصوصاً مع انتقال موقع المرشد الأعلى إلى مجتبى خامنئي بعد وفاة والده علي خامنئي، ما يكشف أن النظام الذي نشأ بعد الثورة الإيرانية بقيادة روح الله الخميني لم يعد مجرد تجربة لإقامة جمهورية إسلامية، بل أصبح نموذجاً سلطوياً حديثاً يجمع بين الشرعية الدينية وإمكانية توريث السلطة.
يرى العروي أن الدولة السلطانية تقوم على تركّز السلطة في يد الحاكم، بحيث تصبح المؤسسات جزءاً من جهاز الحكم ولا تتمتع باستقلال حقيقي في القرار. ويكتب موضحاً: "منذ قرون والدولة في البلاد العربية الإسلامية سلطانية." ويضيف: "السلطنة تعني من البداية حكم السلطان وحده حسب نزوات إرادته." بمعنى آخر، قد توجد قوانين وبرلمان وأجهزة إدارية، لكن القرار النهائي يبقى في يد مركز واحد للسلطة. ولهذا يمكن أن تتخذ الدولة السلطانية أشكالاً مختلفة—ملكية أو جمهورية أو دينية—لكن جوهرها يبقى واحداً، وهو احتكار القرار في قمة السلطة، سواء في شخص الحاكم أو في دائرة ضيقة تحيط به.
عندما تأسست الجمهورية الإسلامية في إيران، سعت إلى تقديم نموذج سياسي يجمع بين مؤسسات انتخابية ذات طابع جمهوري ومرجعية دينية تستند إلى نظرية ولاية الفقيه، لكن فوق كل هذه المؤسسات يقف المرشد الأعلى الذي يمتلك صلاحيات واسعة تشمل قيادة القوات المسلحة والتأثير الحاسم في السياسة الخارجية والقرارات الاستراتيجية، كما ترتبط به مؤسسات أساسية مثل مجلس صيانة الدستور والسلطة القضائية. ومن هنا تبدو الجمهورية الإيرانية في ظاهرها نظاماً تعددياً، لكنها في الواقع تعمل ضمن بنية سلطة مركزية قوية، وهو ما يجعلها أقرب إلى النموذج الذي وصفه العروي بالدولة السلطانية، حيث تبقى المؤسسات قائمة لكنها تدور في فلك مركز القرار الأعلى.
في الأصل ظهرت نظرية ولاية الفقيه لتبرير قيادة الفقيه للمجتمع في غياب الإمام المعصوم، لكن التطورات السياسية في إيران حولت هذه النظرية إلى مركز السلطة الفعلية في الدولة. ومع انتقال منصب المرشد إلى مجتبى خامنئي، يبرز سؤال جوهري: هل ما زلنا أمام نظام ديني ثوري، أم أمام بداية تشكّل توريث سياسي داخل الجمهورية الإسلامية؟ ومن منظور العروي، هذا التحول ليس غريباً، لأن الدولة السلطانية تميل بطبيعتها إلى إعادة إنتاج السلطة داخل الدائرة الأقرب للحاكم، سواء كانت عائلية أو دينية أو عسكرية، وتظهر هنا أهمية المؤسسات القوية مثل الحرس الثوري، الذي لا يكتفي بدور عسكري، بل يصبح الركيزة التي تحمي مركز السلطة وتضمن استمراريته، بما يشبه دور العصبية في الدولة السلطانية التي وصفها العروي.
تكمن المفارقة في أن الثورة الإيرانية قامت أساساً ضد حكم وراثي في عهد الشاه، لكنها سرعان ما أعادت إنتاج تركيز السلطة في مركز واحد، وإن كان بغطاء ديني وثوري. ويؤكد العروي أن الثورات، عندما تتحول إلى دول، غالباً ما تعيد إنتاج أشكال السلطة التقليدية، لأن بناء مؤسسات حديثة ومستقلة ليس سهلاً، بل يحتاج إلى ظروف تاريخية وسياسية وثقافية معقدة. ومن هذا المنظور، تبدو إيران اليوم مثالاً معاصراً يمكن من خلاله قراءة أفكار العروي حول الدولة السلطانية، إذ يجمع النظام السياسي فيها بين مؤسسات جمهورية قائمة ومركز سلطة عليا يحتفظ بالقرار النهائي، وهو ما يجعل تحليل العروي مفيداً لفهم طبيعة التجربة السياسية الإيرانية، حيث تبقى الدولة السلطانية حاضرة بأشكال جديدة داخل أنظمة تبدو حديثة في ظاهرها.
تكشف قراءة مفهوم الدولة عند العروي، أن إشكالية الدولة في الفكر السياسي الإسلامي لم تتعلق فقط بطبيعة النظام، بل بغياب تصور نظري مكتمل للدولة كمؤسسة مستقلة عن السلطة الشخصية. فقد انقسم الفكر السياسي الإسلامي الكلاسيكي بين طموح الفقهاء لإقامة الخلافة، وواقعية المؤرخين الذين سعوا لتبرير الحكم السلطاني أو توجيهه أخلاقياً، وفردانية الفلاسفة الذين وضعوا تصورات مثالية للدولة، وبسبب هذا الانقسام ظل الحكم السلطاني الشكل الغالب في التاريخ الإسلامي. ومن هنا تبرز أهمية تحليل العروي الذي حاول الانتقال من القراءة المعيارية للتاريخ السياسي الإسلامي إلى قراءة تاريخية وسوسيولوجية تكشف آليات اشتغال السلطة في الواقع، مع ما يسمح به من فهم التجارب المعاصرة مثل الحالة الإيرانية، حيث يبقى مركز القرار الحقيقي محصوراً في قمة النظام، بينما تعمل المؤسسات الحديثة في خدمته.
المراجع:
عبد الله العروي، مفهوم الدولة، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، الطبعة العاشرة، 2014.