من غزة إلى إيران .. هل انتهت الحرب بسقوط مشروع الشرق الأوسط الجديد؟
سمير حمدان - بودابست
10-03-2026 12:21 PM
عندما أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن الحرب مع إيران أصبحت قريبة جداً من نهايتها وأن العمليات العسكرية تجاوزت الجدول الزمني الذي كان متوقعاً لها، بدا التصريح وكأنه إعلان نهاية واحدة من أخطر المواجهات التي شهدها الشرق الأوسط منذ سنوات، لكن نهاية الحروب لا تُقاس بوقف إطلاق النار بل بما تغيّره في البنية السياسية للمنطقة، والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس إن كانت الحرب ستتوقف، بل ما إذا كانت قد حققت المشروع الذي قيل إنها خيضت من أجله .
شرارة غزة
بدأت المواجهة في غزة بعد هجوم حركة حماس في أكتوبر 2023، لكن الرد العسكري الإسرائيلي سرعان ما تحوّل إلى واحدة من أكثر الحروب دموية في تاريخ الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، حجم الدمار الذي أصاب القطاع وسقوط أعداد كبيرة من المدنيين دفع منظمات حقوقية ومؤسسات دولية إلى التحذير من كارثة إنسانية غير مسبوقة، ولم تعد الحرب مجرد معركة عسكرية بل تحولت إلى أزمة سياسية وأخلاقية هزّت الرأي العام العالمي وأعادت القضية الفلسطينية إلى قلب النقاش الدولي .
الإبادة ومشروع التهجير
مع تصاعد العمليات العسكرية ظهرت في الخطاب السياسي الإسرائيلي أفكار تتعلق بإعادة رسم الواقع الديموغرافي في غزة، بعض التصريحات تحدثت صراحة عن سيناريوهات تهجير واسعة للفلسطينيين خارج القطاع، لكن هذا المشروع اصطدم سريعاً برفض عربي ودولي واسع، فكرة التهجير الجماعي لم تعد قابلة للقبول في النظام الدولي المعاصر، ولذلك تحولت من تصور سياسي داخل بعض الدوائر الإسرائيلية إلى مشروع غير قابل للتنفيذ، وهكذا فشل أحد أكثر الأهداف تطرفاً التي ظهرت خلال الحرب رغم الكلفة الإنسانية الهائلة التي دفعها سكان غزة .
حرب تتسع
ما بدأ كحرب في غزة لم يبق داخل حدودها، الجبهة اللبنانية اشتعلت، وسوريا والعراق دخلا تدريجياً في دائرة التصعيد، قبل أن تتحول المواجهة إلى صراع مباشر مع إيران، الشرق الأوسط دخل بذلك مرحلة توتر إقليمي واسع حيث لم يعد الصراع يدور حول غزة فقط بل حول ميزان القوة في المنطقة بأكملها .
رهان نتنياهو
في تلك اللحظة قدم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الحرب باعتبارها فرصة تاريخية لإعادة تشكيل الشرق الأوسط، لم يعد الخطاب السياسي يدور فقط حول القضاء على حماس بل حول إضعاف إيران وشبكة حلفائها وفرض نظام إقليمي جديد أكثر ملاءمة للمصالح الإسرائيلية، لكن التاريخ السياسي للشرق الأوسط يبين أن الحروب التي تبدأ بمشاريع كبرى لإعادة رسم المنطقة غالباً ما تنتهي بنتائج أكثر تعقيداً بكثير مما يتوقعه قادتها .
حدود المشروع
تحليلات ظهرت في مجلات سياسية مؤثرة مثل فورين أفيرز وفورين بوليسي حذرت منذ وقت مبكر من أن فكرة إعادة تشكيل الشرق الأوسط بالقوة العسكرية تحمل مخاطر استراتيجية كبيرة، فالمنطقة ليست مجرد ساحة صراع بين جيوش بل شبكة معقدة من التحالفات السياسية والاقتصادية والأمنية، وفي مثل هذا النظام لا تكفي الضربات العسكرية لتغيير التوازنات العميقة .
إيران لم تسقط
أحد الأهداف الضمنية للحرب كان إضعاف إيران إلى درجة قد تؤدي إلى تغيير النظام أو إلى فرض شروط سياسية جديدة عليها، لكن التجربة التاريخية تشير إلى أن الأنظمة التي تتعرض لضغط خارجي مباشر غالباً ما تتماسك بدلاً من أن تنهار، إيران لم تسقط بل يبدو أن الحرب عززت خطاب المواجهة داخلها بدلاً من أن تدفعها نحو تسويات سياسية، وهذا يعني أن أحد الأهداف الاستراتيجية الكبرى للحرب لم يتحقق .
انقسام الغرب
الحرب كشفت أيضاً عن انقسام واضح داخل المعسكر الغربي نفسه، ففي حين استمرت بعض الحكومات الغربية في دعم إسرائيل سياسياً وعسكرياً تصاعدت في المقابل موجة انتقادات واسعة داخل أوروبا والولايات المتحدة بسبب حجم الدمار والضحايا في غزة، هذا الانقسام يعكس تحولاً مهماً في النقاش الدولي حول الصراع حيث لم يعد الدعم لإسرائيل موضع إجماع كما كان في مراحل سابقة .
اختبار الردع الأميركي
الحرب لم تختبر إيران وإسرائيل فقط بل اختبرت أيضاً موقع الولايات المتحدة في المنطقة، لعقود طويلة كان أمن الخليج أحد الأعمدة الأساسية للنظام الإقليمي الذي تقوده واشنطن، لكن هذه المواجهة دفعت عدداً من الدول الإقليمية إلى إعادة التفكير في شكل الترتيبات الأمنية القائمة، فالحلفاء يقيسون قوة التحالفات في لحظات الأزمات الكبرى لا في سنوات الاستقرار الطويلة .
حرب تهز الاقتصاد العالمي
التوتر في الخليج لا يبقى شأناً إقليمياً فقط، فكل تصعيد في هذه المنطقة ينعكس مباشرة على أسواق الطاقة العالمية، تحليلات اقتصادية عديدة أشارت إلى أن أي صراع واسع في الخليج يمكن أن يؤدي إلى صدمات في أسعار النفط وإلى اضطرابات في الاقتصاد العالمي، وهذا ما يجعل الحروب في الشرق الأوسط قضية عالمية لا مجرد صراع إقليمي .
تداعيات قانونية غير مسبوقة
الحرب خلّفت أيضاً تداعيات قانونية غير مسبوقة، فقد أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرات توقيف بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على خلفية الاتهامات المتعلقة بالجرائم المرتكبة خلال الحرب في غزة، هذا التطور وضع نتنياهو في موقع غير مسبوق لقائد إسرائيلي في السلطة إذ أصبح ملاحقاً بموجب القانون الجنائي الدولي وهو ما يفتح فصلاً جديداً في العلاقة بين الصراع في الشرق الأوسط والنظام القانوني الدولي .
نهاية حرب أم سقوط مشروع
بعد سنوات من التصعيد تبدو الصورة أقل دراماتيكية مما وعدت به الخطابات السياسية في بداية الحرب، الدمار كان واسعاً والخسائر الإنسانية هائلة لكن بنية النظام الإقليمي لم تتغير جذرياً، إيران لم تسقط والصراع في غزة ولبنان لم ينته والتوتر بين القوى الإقليمية ما زال قائماً، ما تكشفه هذه الحرب في النهاية ليس ولادة شرق أوسط جديد بل سقوط المشروع الذي وعد بتغييره، ففي منطقة معقدة مثل الشرق الأوسط تستطيع الحروب أن تغيّر موازين المعارك لكنها نادراً ما تستطيع أن تعيد تشكيل التاريخ السياسي للمنطقة .