facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الذكاء الاصطناعي القادم… صندوق أسود


د. صالح سليم الحموري
10-03-2026 06:25 PM

أقرأ هذه الأيام كتابًا عميقًا ومقلقًا في آنٍ معًا للكاتب السوري مصطفى سليمان، أحد مؤسسي شركة "ديب مايند"، وأجد نفسي أمام أفكار لا تشرح المستقبل بقدر ما تكشف هشاشته. كتاب لا يتحدث عن الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة جديدة، بل بوصفه قوة تتشكل بهدوء… وقد لا تبقى تحت سيطرتنا طويلًا.

نعيش لحظةً فارقة في تاريخ البشرية؛ لحظة لم يعد فيها السؤال: ماذا يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يفعل؟ بل: هل ما زلنا نفهم ما يفعل؟

في الموجات التقنية السابقة، كان الإنسان مخترعًا وفاهمًا في آنٍ معًا. كان بإمكانه أن يشرح كيف تعمل الآلة، ولماذا تنتج نتيجة محددة. حتى أكثر الأنظمة تعقيدًا، كانت قابلة للتفكيك والتحليل خطوةً خطوة. أما اليوم، فنحن أمام مفارقة غير مسبوقة: نبني أنظمة تفوق قدرتنا على الفهم التفصيلي، ونستخدمها بثقة… رغم أننا لا نستطيع تفسير قراراتها بدقة.

إنها لحظة "الصندوق الأسود".، حيث ان الشبكات العصبية العميقة، من GPT-4 إلى AlphaGo، لا تعمل وفق منطق خطي يمكن تتبعه بسهولة. مخرجاتها ليست سلسلة قرارات واضحة، بل نتيجة تفاعلات معقدة بين مليارات المعاملات والإشارات الدقيقة. حتى المهندسون الذين صمّموا هذه الأنظمة لا يستطيعون دائمًا تفسير لماذا خرج النموذج بتنبؤ محدد، أو لماذا اتخذ قرارًا بعينه.

في السابق، كانت التقنية أداة. اليوم، بدأت تتحول إلى كيان قادر على تحسين ذاته. بعض أنظمة الذكاء الاصطناعي باتت تطوّر خوارزمياتها، وتعيد ضبط نماذجها، وتُجري تجارب افتراضية لتحسين أدائها. فماذا سيحدث حين تُقرن هذه القدرة بإجراءات مستقلة على الويب؟ حين يصبح النظام قادرًا على البحث، والتجريب، والتطوير، وتنفيذ دورات البحث والتطوير الخاصة به؟

السؤال لم يعد نظريًا. نحن، معشر البشر، نواجه تحديًا فريدًا: هل ستتجاوز اختراعاتنا قدرتنا على الفهم؟ الحوسبة الكمومية تقترب من حدود ما يمكن استيعابه، والذكاء الاصطناعي يقترب من حدود ما يمكن التنبؤ به. لن نستطيع دائمًا أن نعرف الخطوة التالية التي ستتخذها الأنظمة المستقلة… وهذه هي طبيعة الاستقلالية.

نحن البشر نصنع اليوم كيانات قادرة على اتخاذ قرارات تؤثر في الاقتصاد، والصحة، والأمن، والتعليم… بينما لا نملك تفسيرًا كاملًا لمنطقها الداخلي. وهذه ليست مبالغة صحفية، بل حقيقة أقرّ بها أكثر من خبير، بل حتى بعض الذين شاركوا في خلق هذه الأنظمة وتطويرها.

نحن نبني أنظمة تعمل بكفاءة مذهلة، تتنبأ بدقة، وتُحلل بسرعة تفوق قدراتنا، لكنها حين تُصدر حكمًا أو توصية، لا نستطيع أن نشرح – بيقين علمي واضح – لماذا فعلت ما فعلت.

هذه هي المفارقة الكبرى: التقنيات القادمة تتجاوز قدرتنا على الفهم الدقيق، لكنها لا تزال ضمن قدرتنا على الإنشاء والاستخدام.
وكأننا نبني محركات تفوق قدرتنا على قراءة مخططاتها الداخلية.

هل هذا مدعاة للخوف؟
ليس بالضرورة.
لكنه مدعاة للوعي.

فالاستقلالية التقنية لا تعني غياب المسؤولية البشرية. كل خوارزمية تعكس قيماً زرعناها، وكل نموذج يتعلم من بيانات جمعناها، وكل قرار آلي يعمل ضمن أطر صممناها. المشكلة ليست في وجود "صندوق أسود"، بل في أن نستخدمه بلا حوكمة، أو أن نمنحه تفويضًا بلا مساءلة.

إن الموجة القادمة من الذكاء الاصطناعي ليست مجرد تطور تقني؛ إنها "انتقال حضاري". انتقال من أدوات نفهمها بالكامل، إلى أنظمة نتعايش مع غموضها.
التحدي الحقيقي ليس أن نجعل الآلة أذكى، بل أن نبقى نحن أكثر "حكمة".

أن نطوّر أطرًا أخلاقية وتشريعية تسبق التسارع، وأن نستثمر في أبحاث قابلية التفسير، وأن نُبقي "الإنسان" في مركز القرار، لا على هامشه.
فالذكاء الاصطناعي القادم قد يكون "صندوقًا أسود"… لكن مستقبلنا لا يجب أن يكون كذلك.

والسؤال اليوم ليس: ماذا تستطيع الآلة أن تفعل؟
بل: هل ما زلنا نحن من يمسك بالمقود؟





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :