حين يصبح العيد سؤالاً عن حال الأمة
كابتن أسامة شقمان
10-03-2026 08:08 PM
مع اقتراب عيد الفطر في ربيع عام 2026، يقف العالم العربي مرة أخرى أمام سؤال ثقيل، سؤال لا يطرحه السياسيون فقط بل يطرحه الناس العاديون في بيوتهم وأسواقهم وشوارعهم: أي عيدٍ هذا الذي يأتي والمنطقة تعيش واحدة من أكثر مراحلها اضطراباً منذ عقود؟
فالعيد في الوعي الجمعي لمجتمعاتنا لم يكن يوماً مجرد مناسبة اجتماعية عابرة، بل كان دائماً لحظة روحية يتجدد فيها معنى الصبر بعد شهر من العبادة والانضباط. هو وعدٌ ضمني بأن التعب يثمر فرحاً، وأن نهاية الصيام تحمل معها بداية الطمأنينة.
غير أن واقع الأمة العربية اليوم يجعل هذا المعنى يبدو بعيداً عن حياة كثير من أبنائها. فالحروب تتسع جغرافياً، والأزمات الاقتصادية تثقل كاهل المجتمعات، والاضطرابات السياسية تعيد رسم خرائط النفوذ في الشرق الأوسط بطريقة لا تزال ملامحها غير واضحة.
وفي قلب هذا المشهد المضطرب، تقف غزة كأنها مرآة تعكس مأزقاً أعمق بكثير من مجرد صراع عسكري.
ففلسطين لم تكن في الوعي العربي مجرد قضية سياسية تُناقش على طاولات المفاوضات، بل كانت دائماً معياراً أخلاقياً يقاس به صدق الخطاب العربي ومقدار انسجامه مع ضمير الأمة.
وفي غزة اليوم لا يحتاج المرء إلى كثير من التحليل لفهم حجم المأساة.
الأرقام وحدها كافية: آلاف الضحايا، قطاع شبه مدمر، اقتصاد أنهكته سنوات الحصار والحرب. لكن المأساة الحقيقية لا تختصرها الأرقام، بل تكمن في المعنى السياسي والأخلاقي لما يحدث.
ذلك أن غزة لم تعد مجرد ساحة حرب، بل تحولت إلى اختبار يومي لضمير المنطقة كلها.
لقد اعتادت الخطابات العربية الرسمية طوال عقود أن تضع فلسطين في قلب أولوياتها. غير أن السنوات الأخيرة كشفت فجوة واضحة بين الشعارات والواقع، بين اللغة العاطفية التي تتردد في المنابر، والقدرة الفعلية على صياغة موقف عربي مؤثر في مسار الأحداث.
وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية.
فالخطأ الشائع في قراءة ما يحدث في المنطقة هو اختزال الأزمة في بعدها السياسي فقط. لكن الحقيقة أن العالم العربي يواجه أزمة أعمق بكثير، أزمة تتعلق بطبيعة المشروع الحضاري ذاته.
فالأمم لا تتراجع فجأة، بل تدخل أولاً في حالة من التيه الفكري. وحين تفقد البوصلة الفكرية يصبح من السهل أن تتراكم الأخطاء السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
وفي الحالة العربية تبدو هذه الأزمة واضحة في غياب الرؤية المشتركة للمستقبل. فالعالم العربي يمتلك ثروات طبيعية هائلة، وموقعاً جغرافياً استراتيجياً، وكتلة سكانية كبيرة. ومع ذلك ما يزال عاجزاً عن تحويل هذه المقومات إلى قوة مؤثرة في معادلات العالم.
وليس السبب نقص الإمكانات، بل غياب المشروع.
لقد انشغلت المنطقة طويلاً بصراعات داخلية أنهكت المجتمعات واستنزفت الدول، حتى أصبحت القضايا الكبرى تُدار بردود فعل آنية بدل أن تكون جزءاً من رؤية استراتيجية بعيدة المدى.
وهكذا وجد العرب أنفسهم في لحظة تاريخية يتغير فيها العالم بسرعة، بينما هم ما يزالون عالقين في جدالات الماضي.
ما يجري اليوم في الشرق الأوسط يشير بوضوح إلى أن المنطقة تدخل مرحلة إعادة تشكيل واسعة. فالتنافس بين القوى الإقليمية والدولية لم يعد خافياً، والتحالفات تتبدل بسرعة، والاقتصاد العالمي يتأثر مباشرة بما يحدث في هذه البقعة الجغرافية الحساسة.
غير أن اللافت في كل ذلك هو أن العرب – رغم حضورهم الجغرافي والسكاني – يبدون في كثير من الأحيان خارج مركز القرار في هذه التحولات.
وهذا ما يجعل السؤال أكثر إلحاحاً: كيف وصلت الأمة التي كانت يوماً مركزاً للحضارة إلى هذه الحالة من التراجع في التأثير السياسي العالمي؟
وسط هذا المشهد المضطرب، يبرز الأردن – في نظر كثيرين – بوصفه نموذجاً مختلفاً في إدارة الأزمات.
فالمملكة الأردنية الهاشمية، رغم صغر مساحتها الجغرافية، وجدت نفسها دائماً في قلب التحولات الإقليمية بحكم موقعها بين فلسطين وسوريا والعراق والسعودية. ومع ذلك استطاعت عبر عقود طويلة أن تحافظ على قدر ملحوظ من الاستقرار السياسي.
والسر في ذلك لا يعود فقط إلى التوازنات الجغرافية أو التحالفات الدولية، بل إلى فلسفة سياسية تقوم على الاعتدال والواقعية، وعلى إدراك أن الاستقرار في الشرق الأوسط لا يتحقق عبر المغامرات السياسية بقدر ما يتحقق عبر إدارة دقيقة للتوازنات المعقدة التي تحكم المنطقة.
ومن هنا جاء الدور الأردني المتواصل في الدفاع عن القضية الفلسطينية في المحافل الدولية، وفي حماية المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، إضافة إلى جهوده الدبلوماسية لمنع توسع الصراعات في الإقليم.
غير أن هذا الدور لا يخلو من التحديات. فالأردن، مثل كثير من دول المنطقة، يواجه ضغوطاً اقتصادية وأمنية متزايدة نتيجة موقعه في قلب منطقة مضطربة.
ومع ذلك، ما يزال يحاول أن يحافظ على موقعه كصوت عقلاني يدعو إلى التهدئة والحلول السياسية في زمن يغلب عليه التوتر والانفعال.
بعد أيام قليلة سيقف ملايين المسلمين في ساحات المساجد لأداء صلاة عيد الفطر. سيصافح الناس بعضهم بعضاً، وسترتفع عبارات التهاني، وستعود المدن إلى إيقاعها الاحتفالي المعتاد.
لكن خلف هذه الصورة المبهجة، ثمة شعور خفي يرافق كثيراً من العرب: شعور بأن المنطقة تعيش مرحلة انتقالية لم تتضح نهاياتها بعد.
فالعيد هذا العام يأتي في زمن تتكاثر فيه الأسئلة أكثر مما تتوافر الإجابات.
وربما لا يكون الحل في الخطابات الكبيرة ولا في الشعارات العاطفية، فالأمم لا تنهض بالعاطفة وحدها. إنها تحتاج إلى رؤية واضحة للمستقبل، إلى تعليم متطور، واقتصاد منتج، ومؤسسات سياسية قادرة على إدارة الاختلاف دون أن يتحول إلى صراع.
باختصار، تحتاج إلى مشروع حضاري جديد يعيد ترتيب الأولويات ويمنح الأجيال القادمة سبباً للإيمان بالمستقبل.
أما غزة فستبقى، رغم كل شيء، شاهداً على هذه اللحظة التاريخية.
مدينة صغيرة على شاطئ المتوسط، لكنها تحمل في معاناتها قصة أمة كاملة تبحث عن طريقها بين الألم والأمل.
وعندما يأتي عيد الفطر هذا العام، سيبقى الدعاء هو اللغة المشتركة التي تجمع ملايين العرب:
أن تتوقف الحروب،وأن تستعيد المنطقة توازنها، وأن يأتي يوم يصبح فيه العيد عيداً حقيقياً لكل أطفال هذه الأرض.