رفع سن التقاعد الى 65 عاماً .. هل يحتمل العامل ذلك؟
د. صبري الدباس
10-03-2026 11:33 PM
في كل مرة يُطرح فيها موضوع رفع سن التقاعد، يعود السؤال الأهم إلى الواجهة :
هل ننظر إلى العامل كرقم في معادلة مالية ، أم كإنسان أمضى سنوات عمره في العمل والإنتاج ؟ فالتقاعد بالنسبة لمعظم الناس ليس مجرد بند في قانون ، بل مرحلة ينتظرها العامل بعد عقود من الجهد والتعب ، أملاً في قدر من الاستقرار والراحة بعد سنوات طويلة من العطاء.
عاد الجدل مجدداً حول مسألة رفع سن التقاعد إلى 65 عاماً ، وهو نقاش لا يتعلق بأرقام جامدة في نصوص القوانين بقدر ما يرتبط مباشرة بحياة الناس وظروفهم المعيشية وقدرتهم على الاستمرار في العمل مع تقدم العمر.
من حيث المبدأ ، لا يختلف اثنان على أهمية الحفاظ على استدامة منظومة الضمان الاجتماعي ، فهذه المؤسسة تمثل شبكة الأمان الأساسية لمئات الآلاف من العاملين والمتقاعدين.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه اليوم هو : هل يكون الطريق إلى هذه الاستدامة دائماً عبر رفع سن التقاعد؟.
الواقع العملي في سوق العمل الاردني يختلف كثيراً عن النظريات المكتوبة في التقارير. فليس جميع العاملين موظفين في مكاتب مريحة ، بل إن شريحة واسعة منهم تعمل في قطاعات تتطلب جهداً بدنياً كبيراً ، مثل '' البناء والصناعة والنقل والمهن الحرفية '' .
وهؤلاء غالباً ما تبدأ قدرتهم الجسدية بالتراجع قبل بلوغ هذا العمر بسنوات.
إن مطالبة العامل بالاستمرار في العمل حتى سن الخامسة والستين قد تبدو ممكنة في بعض المهن ، لكنها في مهن أخرى قد تكون عبئاً حقيقياً يفوق طاقة الإنسان.
وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحاً : هل يستطيع العامل فعلاً أن يستمر بالإنتاجية نفسها حتى هذا العمر ؟؟ .
ومن زاوية أخرى ، فإن إطالة سنوات البقاء في الوظيفة لا يمكن فصلها عن واقع سوق العمل وفرص التشغيل ، خاصة في ظل ارتفاع معدلات البطالة بين الشباب. فكلما تأخر خروج العاملين من سوق العمل ، تباطأت حركة الإحلال الوظيفي ، ما يعني عملياً فرصاً أقل للأجيال الجديدة التي تنتظر دخولها إلى سوق العمل.
لا يعني ذلك بالضرورة رفض أي إصلاح في أنظمة التقاعد ، فالإصلاح مطلوب ومهم لضمان استدامة مؤسسة الضمان الاجتماعي للأجيال القادمة.
لكن الإصلاح الحقيقي لا يقتصر على تعديل سن التقاعد فقط ، بل يجب أن يقوم على رؤية أشمل تأخذ بعين الاعتبار طبيعة المهن ، والظروف الصحية للعاملين، وواقع سوق العمل الاردني.
إن التوازن بين الاستدامة المالية والعدالة الاجتماعية هو التحدي الحقيقي في أي إصلاح تشريعي. فالعامل الذي أمضى ثلاثين أو أربعين عاماً في العمل ودفع اشتراكاته بانتظام ، يتطلع في نهاية المطاف إلى مرحلة تقاعد تحفظ له كرامته وتمنحه قدراً من الاستقرار بعد سنوات طويلة من الجهد.
لهذا، فإن أي نقاش حول سن التقاعد يجب أن يبقى مفتوحاً على حوار وطني واسع يشارك فيه الخبراء والاقتصاديون وممثلو العمال ، بهدف الوصول إلى حلول متوازنة تحقق مصلحة المجتمع ككل دون أن يشعر العامل بأن سنوات عطائه الطويلة تحولت إلى عبء إضافي في نهاية مسيرته المهنية.