الفوضى ونهاية إدارة الجغرافيا السياسية في الشرق الأوسط
محمود أبو هلال
12-03-2026 02:46 AM
في القرون الماضية كانت السيطرة في السياسة الدولية مرادفة للاحتلال المباشر. بعد الحرب العالمية الثانية لم تعد القوى الاستعمارية تحتاج بالضرورة إلى جيوش ضخمة تحتل الأرض وتديرها بشكل مباشر، بقدر ما تحتاج إلى القدرة على إدارة التوازنات والصراعات بين القوى المحلية، بحيث لا تتشكل قوة إقليمية قادرة على فرض الاستقرار أو الهيمنة.
في هذا السياق يمكن فهم كثير من تحولات الشرق الأوسط خلال العقود الأخيرة. فالمنطقة التي تضم عددا كبيرا من الدول والقوى المتنافسة من تركيا وإيران إلى الدول العربية و"إسرائيل" بدت طويلا كساحة للتجاذبات والتحالفات المتغيرة. هذا التشظي خلق ما يشبه توازنا غير مستقر يسمح للقوى الكبرى بالتأثير من الخارج دون الحاجة إلى السيطرة المباشرة.
تقوم هذه المقاربة على فكرة مهمة بدل أن تدخل القوة الكبرى في مواجهة مباشرة ومكلفة، يكفي أن تبقى القوى الإقليمية في حالة تنافس دائم. فحين تتوازن هذه القوى دون أن تتمكن أي منها من حسم الصراع أو فرض نظام إقليمي مستقر، تصبح المنطقة قابلة للإدارة عبر الدعم الانتقائي والضغوط السياسية والتحالفات المؤقتة.
غير أن ما يجري الآن يوحي بإمكانية حدوث تحول في هذه المقاربة. فبدل الاكتفاء بإدارة التوازنات بين عدة قوى إقليمية، يبدو أن هناك ميلا متزايدا نحو ترجيح كفة قوة واحدة لتكون الفاعل المهيمن في الإقليم.
في هذا السياق تُطرح "إسرائيل" بوصفها المرشح الأبرز لهذا الدور. فالتفوق العسكري والتكنولوجي، والدعم الأمريكي المستمر، والبيئة الإقليمية المتفككة، كلها عوامل تدفع باتجاه جعلها القوة الأكثر قدرة على فرض معادلات الأمن والسياسة في الشرق الأوسط.
أمام هذا التحول، قد تكون المنطقة بصدد الانتقال من مرحلة إدارة الفوضى عبر التوازنات المتعددة إلى مرحلة مختلفة تقوم على إعادة ترتيب الإقليم حول قوة مركزية واحدة. وهذا ما قد يفسر التصعيد المستمر في مواجهة قوى إقليمية أخرى، وعلى رأسها إيران، واحتمال دعم أي مواجهة تهدف إلى تحجيم القوى المنافسة.
وقد نقول أن إيران تدرك هذا جيدا لذلك ترمي بكل ثقلها في هذه الحرب مع توزيع القصف على دول الخليج، في محاولة لترميم أو إعادة انتاج إدارة الفوضى.