facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




ماذا يعني نهاية النظام الدولي لدولة في قلب الإقليم؟


محمد حسن المومني
12-03-2026 02:47 AM

في السياسة، لا يكفي أن تكون القاعدة موجودة على الورق. قيمتها الحقيقية تظهر عندما تقع الحرب، ويختبر العالم؛ هل يملك القدرة والإرادة لفرض حد أدنى من الانضباط، أم أن القاعدة تبقى صالحة فقط في المؤتمرات والبيانات الصحفية؟ ما يجري في الشرق الأوسط اليوم يطرح هذا السؤال بشكل غير مسبوق. ليس فقط لأن الحرب طالت وتعقدت، بل لأن العالم يبدو عاجزا عن إنتاج معيار متماسك يضبط السلوك ويمنع الانفلات.

المشكلة هنا ليست قانونية أو أخلاقية فقط. بل هي مشكلة استراتيجية من الطراز الأول. فعندما يضعف النظام الدولي، وتصبح المؤسسات الدولية أقل قدرة على الردع أو الوساطة أو فرض الالتزامات، فإن النتيجة المباشرة هي ارتفاع منسوب السلوك الأحادي. وكل طرف يبدأ بالتصرف على قاعدة أن ما يحميه هو ميزان القوة لا ميزان الشرعية. ومع مرور الوقت، تنتقل هذه القاعدة من ساحة الحرب إلى طريقة اشتغال الإقليم باكمله.

في الشرق الأوسط، هذا التحول أخطر من أي مكان آخر. فالمنطقة أصلًا مثقلة بالحدود الرخوة، والساحات المتداخلة، وفاعلين صغار قبل الكبار ، اضافة الى التدخلات الخارجية. لذلك فإن أي ضعف في المرجعية الدولية لا يبقى مسألة نظرية، بل يتحول سريعا إلى خطر عملي. فحين يشعر اللاعبون أن الضبط الدولي لم يعد مضمونا، تتقدم لغة الرسائل العسكرية، وتصبح السيادة نفسها أكثر عرضة للاختبار.

في الحالة الأردنية، المسألة ليست ترفا سياسيا. فالأردن من الدول التي تحتاج إلى بيئة إقليمية يمكن توقعها. ليس لأنه ضعيف، بل لأنه دولة تعرف موقعها وحساسياته جيدا. يعيش في جوار مفتوح على فلسطين وسوريا والعراق، ويتأثر بالخليج والبحر الأحمر، ويرتبط اقتصاديا وأمنيا بشبكة واسعة من المصالح. في مثل هذه الجغرافيا، كل تراجع في قيمة القاعدة الدولية يرفع كلفة التمركز الوطني.

لهذا السبب، ظل خطاب الدولة في السنوات الأخيرة متمسكا بثلاثية رئيسة؛ احترام السيادة، رفض التهجير، والدفع نحو التهدئة والحل السياسي. البعض يقرأ هذا الخطاب بوصفه موقفا أخلاقيا فحسب، لكنه في الحقيقة أعمق من ذلك بكثير. فهو دفاع عن شرط الاستقرار نفسه. فالدولة التي تقع في قلب هذا الإقليم لا تستطيع أن تعيش على منطق الفوضى، ولا أن تراهن على أن الآخرين سيتصرفون دائما بعقلانية.

وإذا كان العالم يتجه بطببعته إلى مرحلة أقل اتساقا، فإن المطلوب ليس البكاء على النظام الدولي، بل التكيف الذكي مع هذا الضعف. هذا يعني أن الاعتماد على الشرعية الدولية وحدها لم يعد كافيا، وأن الركون إلى التحالفات وحدها ليس ضمانة مطلقة. المطلوب هو خليط أكثر واقعية وانسجاما مع التغيير، دبلوماسية نشطة، قدرة ردع معقولة، شبكة علاقات متوازنة، ومناعة داخلية لا تجعل البلد مكشوفا أمام تقلبات الإقليم.

الخلاصة أن انهيار النظام الدولي لا يعني فقط أن العالم صار أقل عدالة، بل يعني أيضا أنه صار أقل قابلية للتوقع بشكل واضح. وبالنسبة إلى دولة مثل الأردن هذه مسألة أمن وقرار وبقاء سياسي. لأن الدول لا تتضرر فقط عندما تنهار الحروب فوق حدودها، بل تتضرر أيضا عندما يختفي الخط الفاصل بين الممنوع والمسموح.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :