إعادة التفكير في مؤشرات استدامة الدين العام
د. رعد محمود التل
12-03-2026 12:21 PM
في النقاشات الاقتصادية حول الدين العام، غالباً ما تبرز نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي. فعندما ترتفع هذه النسبة يزداد القلق في الاقتصاد، وعندما تتجاوز مستويات معينة تبدأ التحذيرات من أزمة ديون محتملة. وعلى مدى عقود، أصبحت هذه النسبة المؤشر الأكثر استخدامًا لدى الحكومات والمؤسسات المالية الدولية لتقييم استدامة الدين.
غير أن ورقة بحثية حديثة صادرة في يناير 2026 عن المكتب الوطني للبحوث الاقتصادية في الولايات المتحدة تطرح تساؤلًا جوهريًا: هل نعتمد أكثر مما ينبغي على هذا المؤشر؟ وهل يمكن أن يقودنا أحيانًا إلى استنتاجات مضللة بشأن المخاطر المالية للدول؟ الدراسة تشير إلى أن الاعتماد المفرط على نسبة الدين إلى الناتج المحلي قد يخفي الصورة الكاملة للقدرة الحقيقية للدول على تحمّل الدين. فهذه النسبة، رغم بساطتها وانتشارها، تعاني من مشكلة مفاهيمية أساسية تتعلق بطبيعة ما تقيسه.
ففي جوهرها تقارن هذه النسبة بين مخزون وتدفق، فالدين العام يمثل مخزونًا متراكمًا عبر سنوات طويلة من الاقتراض، بينما الناتج المحلي الإجمالي يمثل تدفقًا اقتصاديًا يقيس قيمة الإنتاج خلال عام واحد فقط. وهذه المقارنة تصبح ذات معنى فقط إذا افترضنا استمرار معدلات نمو مستقرة وبقاء تكاليف الاقتراض ضمن مستويات يمكن التنبؤ بها. إلا أن هذه الافتراضات غير واقعية في ظل تقلبات الاقتصاد العالمي، وارتفاع أسعار الفائدة، وتزايد حالة عدم اليقين في الأسواق المالية.
انطلاقًا من هذه الإشكالية، تقترح الدراسة النظر إلى مؤشرين إضافيين قد يقدمان صورة أكثر دقة عن استدامة الدين العام. المؤشر الأول هو مدفوعات خدمة الدين كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي. فهذا المؤشر يركز على القدرة الفعلية للحكومة على خدمة دينها، أي دفع الفوائد المستحقة عليه. فالدين لا يتحول إلى مشكلة اقتصادية بحد ذاته إلا عندما تصبح كلفة خدمته عبئًا ثقيلًا على المالية العامة ومن ثم فإن تكلفة الفائدة، وليس حجم الدين فقط، هي التي تحدد مدى استدامته.
أما المؤشر الثاني فهو نسبة الدين إلى الثروة الاقتصادية أو حقوق الملكية في الاقتصاد. فبدل مقارنة الدين بإنتاج سنة واحدة، يقارن هذا المقياس الدين العام بالقاعدة الأوسع للأصول الاقتصادية التي يمتلكها المجتمع، بما في ذلك البنية التحتية ورأس المال المادي والبشري.
لذلك يمكن النظر إلى الدين العام بطريقة مشابهة لاقتراض الشركات! فالشركات قد تمتلك مستويات مرتفعة من الديون، لكن المستثمرين يقيمون قدرتها على الاستمرار من خلال مقارنة الدين بإجمالي أصولها وقدرتها على توليد العوائد في المستقبل. وعند تحليل البيانات الدولية باستخدام هذه المقاييس المختلفة، تظهر نتائج لافتة. فبينما تبدو نسب الدين إلى الناتج المحلي مرتفعة تاريخيًا في العديد من الاقتصادات المتقدمة خلال العقود الأخيرة، فإن مؤشر مدفوعات خدمة الدين لا يظهر الاتجاه التصاعدي نفسه. بل إن عبء الفوائد ظل في بعض الحالات مستقرًا أو حتى انخفض نسبيًا، نتيجة فترات طويلة من انخفاض أسعار الفائدة عالميًا.
كذلك، عندما يتم قياس الدين مقارنة بالثروة الاقتصادية، فإن الاتجاه طويل الأجل لا يشير إلى ارتفاع مستمر كما قد توحي به نسبة الدين إلى الناتج المحلي. وهذا يعني أن الصورة التي يرسمها المؤشر التقليدي قد تكون أكثر تشاؤمًا مما تعكسه المؤشرات الأخرى. وتساعد هذه النتائج في تفسير مفارقة طالما حيّرت الاقتصاديين. فبعض الدول واجهت أزمات ديون رغم أن مستويات الدين لديها بدت معتدلة نسبيًا، كما حدث في عدد من الاقتصادات الناشئة. وفي المقابل، استطاعت دول أخرى الاستمرار في تحمل مستويات مرتفعة جدًا من الدين لفترات طويلة دون أن تواجه أزمة مالية حادة.
الفرق في هذه الحالات لا يتعلق بحجم الدين وحده، بل بثلاثة عوامل أساسية: قدرة الحكومة على خدمة الدين، وقوة الاقتصاد وثروته الكلية، ومستوى الثقة في السياسات المالية والنقدية. فعندما تكون تكلفة الاقتراض منخفضة ويثق المستثمرون في المؤسسات الاقتصادية للدولة، يصبح بإمكانها إدارة مستويات أعلى من الدين دون أن يتحول ذلك إلى خطر فوري.
من هذا المنظور، تبدو استدامة الدين مفهومًا أكثر تعقيدًا من مجرد نسبة حسابية واحدة. فالحكم على سلامة المالية العامة يتطلب تحليلًا أوسع يشمل هيكل الاقتصاد، ومستويات الفائدة، وقوة المؤسسات، والقدرة المستقبلية على توليد الإيرادات. ولهذا السبب تدعو الدراسة إلى تطوير أساس نظري أقوى للمؤشرات المستخدمة في تقييم الدين العام. فالاعتماد على مؤشر واحد قد يؤدي إلى سياسات مالية متسرعة، مثل التقشف المفرط أو خفض الإنفاق الاستثماري، رغم أن الوضع المالي الحقيقي قد لا يستدعي ذلك.
إن إعادة التفكير في طريقة قياس استدامة الدين لا تعني التقليل من مخاطر الديون المرتفعة، بل تهدف إلى تحسين فهمنا لها. فالدين العام يمكن أن يكون أداة مهمة لتمويل الاستثمار والنمو الاقتصادي إذا تم إدارته ضمن إطار مالي مستدام. لذلك فإن استدامة الدين ليست رقمًا مجرداً يمكن اختزاله في نسبة واحدة، بل هي نتيجة تفاعل معقد بين الاقتصاد الحقيقي وتكلفة التمويل والثقة في السياسات الاقتصادية. وكلما توسعنا في النظر إلى هذه العوامل مجتمعة، أصبحت أحكامنا بشأن مخاطر الدين أكثر دقة واتزانًا.
الرأي