الأردن… وطنٌ يعطي بلا منّة
محمد مطلب المجالي
15-03-2026 09:52 AM
ليس الأردن دولةً تبحث عن التصفيق، ولا وطناً يرفع صوته ليعدّد مآثره، فهو منذ نشأته اعتاد أن يقدّم لأمته بصمت الكبار، وأن يقف في المواقف الصعبة موقف الشاهد الصادق على قضايا العرب، لا طلباً لمجدٍ عابر ولا سعياً لثناءٍ زائل، بل انطلاقاً من إيمان راسخ بأن للهوية العربية حقاً في النصرة، وللواجب القومي مكاناً لا يقبل المساومة.
لقد كان الأردن، عبر عقود طويلة، حاضراً في ميادين الشدّة كما في ساعات الأمل. فتح حدوده للأشقاء، واحتضن من ضاقت بهم الأرض، وتقاسم معهم لقمة العيش وموارد البلاد المحدودة، دون أن يلوّح يوماً بفضلٍ أو يمنّ بعطاء. كان الوطن يدرك أن الأخوّة لا تُقاس بحجم الإمكانات، بل بصدق المواقف ونبل المقاصد.
والحمد لله، فإن الأردنيين ـ شعباً وقيادة ـ كانوا على الدوام سبّاقين إلى المواقف العربية والإسلامية، حاضرين في ساحات التضامن، ثابتين في الدفاع عن قضايا الأمة، يحملون همّها في المحافل الدولية، ويجهرون بصوت الحق حين يتردد الآخرون أو يلوذون بالصمت. فالأردن لم يكن يوماً خارج معادلة القضايا الكبرى، بل كان دائماً في قلبها، موقفاً وكلمةً ومسؤولية.
ولسنا عاجزين عن الرد على من يسيئون أو يحاولون التقليل من شأن هذا الوطن. غير أن الأردن لم يكن يوماً من الدول التي تنشغل بالمهاترات أو تلتفت إلى أصوات التشكيك العابر. فمواقف القيادة الهاشمية والشعب الأردني ثابتة راسخة، مسجلة في صفحات التاريخ، لا تمحوها الكلمات ولا تغيّبها الحملات. إنها مواقف صنعتها التضحيات، وحفظتها المواقف الصادقة، وكتبتها الأفعال قبل الأقوال.
ومن يتصفح فصول التاريخ يرى بوضوح تلك الصفحات المضيئة التي سطرها الأردنيون في الدفاع عن قضايا أمتهم، وفي الوقوف إلى جانب الحق، وفي حماية الاستقرار وسط عواصف المنطقة وتقلباتها. إنها صفحات من مجدٍ يعانق السماء، صنعها رجال صدقوا ما عاهدوا الله والوطن عليه.
ولذلك فإن النيل من الأردن، أو التقليل من تضحياته، ليس مجرد رأيٍ عابر أو نقدٍ سياسي، بل هو جحود للحقيقة وتنكر لوقائع يعرفها القريب والبعيد. فالأوطان التي تحمل عبء الدفاع عن قضايا أمتها لا تستحق الطعن في ظهرها، ولا يجوز أن تُكافأ مواقفها النبيلة بحملات التشكيك والتقليل.
سيبقى الأردن، رغم التحديات والضغوط، ثابتاً في موقعه الطبيعي: سنداً لأمته، وبيتاً للعروبة، ووطناً يقدّم الكثير دون منّة. وتلك هي الحقيقة التي يعرفها التاريخ، وتشهد لها المواقف، وتحفظها ذاكرة الشعوب.
حمى الله الأردن، وطناً عزيزاً شامخاً، مصون الحدود، مرفوع الراية، باقياً في مكانه الذي اختاره لنفسه: وطن الموقف الصادق والوفاء الذي لا ينكسر.