لأخلاق بين الإرادة والحكمة الإلهية .. في رمضان
د. بركات النمر العبادي
15-03-2026 01:11 PM
السلسة الرمضانية (4)
الأخلاق في التصور الإسلامي ليست نتاجَ ذوقٍ اجتماعيٍّ متحوّل ، ولا اختيارًا اعتباطيًا تصوغه الأهواء ، بل هي استجابةٌ واعية لمقتضيات الحكمة الإلهية ، فالخير والشر ليسا مجرّد توصيفين نسبيين ، وإنما يرتبطان بمعيارٍ متعالٍ هو رضا الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. ومن ثمّ فالفعل الأخلاقي الحقيقي هو توازنٌ دقيق بين الإرادة والعقل ؛ إرادةٍ تتحرر من سلطان الشهوة ، وعقلٍ يستنير بالوحي فيدرك الغاية قبل الوسيلة ، والمعنى قبل المنفعة.
يرى أبو حامد الغزالي أن العبادات ليست طقوسًا شكلية بل رياضاتٌ روحية تهذّب قوى النفس ؛ فالصوم يكسر حدّة الشهوة ، ويطفئ جذوة الغضب ، ويعيد للنفس اعتدالها ، وفي السياق الكلامي ، يؤكد مذهب الأشاعرة أن معيار الحسن والقبيح مردّه إلى الوحي، غير أن العقل يدرك حِكمته ويشهد بعدالته. فالأخلاق إذن ليست انفصالًا بين نقلٍ وعقل ، بل تآلفٌ بين نور الهداية وإدراك البصيرة.
رمضان يمتحن هذا البناء النظري في واقعٍ يوميّ : الامتناع عن الغضب مع القدرة ، والعفو عند الاستفزاز، والصدقة مع الحاجة ؛ كلها تجلياتٌ عملية لتزكية الإرادة ، هنا ينتقل الخُلق من كونه مفهومًا مجرّدًا إلى كونه مجاهدةً حية ، من سيرة السلف أنهم كانوا يفتّشون في نياتهم قبل أفعالهم، ويصححون مقاصدهم قبل أن تستقرّ العادات في قلوبهم؛ لأن العمل بلا إخلاص صورةٌ بلا روح.
في رمضان تتحول الأخلاق من سلوكٍ اجتماعيّ إلى عبادةٍ وجودية ؛ إذ يغدو كل فعلٍ صالحٍ مقصودًا به وجه الل تعالى ارتقاءً في مدارج الكمال. فتهذيب النفس ليس قمعًا لها، بل تحريرٌ لها من هيمنة الهوى لتنسجم مع حكمتها الخِلقية. وهكذا يصبح نجاح الصائم الحقيقي هو نجاحه في تربية قلبه، حيث تتوحد الإرادة مع الحكمة الإلهية، ويغدو الخُلق انعكاسًا لنور الإيمان في باطن الإنسان وظاهره.
وفي هذا الأفق تتجلّى الأخلاق بوصفها مسارًا وجوديًّا تتربّى فيه الإرادة حتى تصير مرآةً للحكمة الإلهية ، فليست الإرادة في حقيقتها قدرةً على الاختيار فحسب ، بل هي استعدادٌ للتوجّه ؛ إمّا إلى أسر الشهوة أو إلى أفق المعنى ، فإذا استنارت بنور الوحي ، كما قرّر أئمة النظر من أمثال أبو حامد الغزالي ، تحوّلت من طاقةٍ عمياء إلى بصيرةٍ عاملة ، وصار الصوم رياضةً تُعيد ترتيب قوى النفس وفق ميزان الاعتدال ، ان كسر حدّة الرغبة ليس إلغاءً لها ، بل إعادةُ لتوجيهٍها نحو غايتها الأسمى؛ حيث تخضع اللذّة للمعنى، ويخضع الفعل للنية.
وفي ضوء التصور الكلامي عند الأشاعرة ، يتأكد أن الحسن والقبيح ليسا معزولين عن مرجعية الوحي ، غير أنّ العقل لا يُقصى من المشهد ، بل يشهد بعدل التشريع ويهتدي إلى حكمته ، ومن ثمّ فالصيام ليس مجرّد امتناعٍ حسيّ ، بل تجربةٌ معرفيةٌ وأخلاقيةٌ يتآلف فيها النقل والعقل ، الظاهر والباطن ، الإرادة والحكمة.
إن الحكمة من الصيام تتجلّى في هذا التوحيد الداخلي ؛ إذ يتدرّب الإنسان على أن يريد ما ينبغي أن يُراد ، وأن يختار الخير لا لأنّه نافعٌ عاجلًا ، بل لأنّه حقٌّ في ذاته. وهنا تبلغ الأخلاق ذروتها : حين يغدو الامتناع قدرةً ، والصبر حريةً ، والعطاء سيادةً على النفس. فالصائم الحقيقي ليس من جاع عن الطعام ، بل من ارتقى بإرادته حتى تماهت مع مراد الله ، فصار خُلُقه شاهدًا على إيمانه ، وصار قلبه موطنًا تتجلّى فيه الحكمة في صورة سلوكٍ حيّ.
متعكم الله بفهم الغاية من وجودكم وحسن استثمار الزمن بمعرفة الله وسبل خشيته
حمى الله الاردن واعاذه من شر كل كريهتا