facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




فاتورة استهلاك جديدة


د. صالح سليم الحموري
15-03-2026 03:35 PM

في الشهر الماضي، حين راجعت كشف بطاقتي الائتمانية، توقفت قليلًا عند رقمٍ لافت: أكثر من مئة دولار دفعتها لاستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي.

لم تكن فاتورة كهرباء، ولا اشتراك إنترنت، ولا حتى خدمة بثٍ ترفيهية…

بل كانت فاتورة "تفكيرٍ رقمي."

عندها خطر في بالي سؤال بسيط، لكنه عميق:

هل سنصل يومًا إلى مرحلة يصبح فيها الذكاء الاصطناعي خدمة أساسية تُحاسَب بالعداد، كما يحدث مع الماء والكهرباء؟

بحسب سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لشركة OpenAI، فإن هذا الاحتمال لم يعد بعيدًا. فالذكاء الاصطناعي قد يتحول قريبًا إلى خدمة أساسية تُحتسب تكلفتها حسب الاستهلاك الفعلي للمستخدم، تمامًا كما تُحسب فاتورة الكهرباء أو الإنترنت.

الفكرة قد تبدو غريبة للوهلة الأولى، لكنها في الحقيقة منطقية للغاية.

فانا اليوم استخدم الذكاء الاصطناعي في كل شيء تقريبًا:

في كتابة التقارير، وتحليل البيانات، وصياغة الرسائل، وترجمة النصوص، وتوليد الأفكار، وحتى في دعم القرارات المهنية.

ما كان يحتاج في الماضي ساعات من العمل، أو فريقًا كاملًا من المختصين، يمكن إنجازه اليوم خلال دقائق.

لقد بدأ الذكاء الاصطناعي يتحول تدريجيًا من أداة تقنية إلى بنية تحتية معرفية.

تمامًا كما حدث مع الكهرباء.

في بدايات القرن العشرين، لم يكن الناس يتخيلون أن الكهرباء ستصبح خدمة يومية لا يمكن الاستغناء عنها. كانت ترفًا تقنيًا محدود الاستخدام. لكن مع مرور الوقت، أصبحت العمود الفقري للحياة الحديثة.

اليوم، يبدو أن الذكاء الاصطناعي يسير في المسار ذاته.

في البداية كان أداة في المختبرات.

ثم أصبح خدمة للشركات.

واليوم بدأ يدخل جيب كل فرد عبر هاتفه وحاسوبه.

ومع اتساع الاستخدام، تظهر معادلة جديدة:

كلما استخدمنا الذكاء الاصطناعي أكثر…

زادت فاتورة استهلاك "التفكير المؤتمت."

لكن السؤال الحقيقي ليس اقتصاديًا فقط، بل حضاري أيضًا.

فإذا أصبحت المعرفة المؤتمتة خدمة تُدفع بالعداد، فهل سيصبح "التفكير" نفسه موردًا اقتصاديًا؟

هل سنعيش في عالم يُقاس فيه الإبداع بعدد "الاستعلامات" التي نرسلها إلى الآلة؟

وهل سيصبح الوصول إلى الذكاء الاصطناعي المتقدم امتيازًا لمن يستطيع دفع تكلفته؟

من جهة أخرى، قد تحمل هذه الفاتورة جانبًا إيجابيًا أيضًا.

فحين يدفع الناس مقابل استخدام الذكاء الاصطناعي، سيصبحون أكثر وعيًا بطريقة استخدامه، وأكثر حرصًا على توظيفه فيما يضيف قيمة حقيقية.

في النهاية، كل تحول تكنولوجي كبير يمر بهذه المرحلة.

الهاتف كان رفاهية… ثم أصبح ضرورة.

الإنترنت كان تجربة… ثم أصبح بنية أساسية.

والذكاء الاصطناعي يبدو أنه يسير في الطريق نفسه.

ربما بعد سنوات قليلة، سنجد في حياتنا عدادًا غير مرئي يقيس استهلاكنا من الذكاء الاصطناعي، كما يقيس العداد استهلاك الكهرباء.
لكن المسألة الأعمق ليست في قيمة الفاتورة.

بل في سؤالٍ آخر:

حين تصبح الآلة قادرة على أن تفكر معنا، وتكتب معنا، وتقترح علينا الطريق…

هل سنستخدمها لنوسّع عقولنا؟

أم سنستخدمها لنُعفي أنفسنا من التفكير؟

الذكاء الاصطناعي قد يصبح خدمة تُحسب بالعداد…

لكن "العقل البشري" لا يجب أن يتحول إلى جهاز خامد ينتظر الإجابة.

فالتكنولوجيا، في نهاية المطاف، لا تقيس قيمة الإنسان بما يستهلك…

بل بما يبتكر.

والخطر الحقيقي ليس أن ندفع فاتورة الذكاء الاصطناعي.

بل أن يأتي يوم

ندفع فيه الفاتورة…

ونتوقف عن التفكير.

* مستشار التعليم التنفيذي - كلية محمد بن راشد للإدارة الحكومية





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :