facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الشرق الأوسط في قبضة المشاريع الكبرى: من يصنع العدو ويرسم الخرائط؟


د. نعيم الملكاوي
17-03-2026 01:02 AM

لم يعد ما يجري في الشرق الأوسط مجرد سلسلة أزمات سياسية أو مواجهات عسكرية متقطعة، بل أصبح أقرب إلى عملية إعادة تشكيل كبرى لموازين القوة في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية وتأثيراً في معادلات الاقتصاد والسياسة الدولية. فخلف ضجيج الصواريخ، وتصاعد الخطابات العدائية، وتبدّل التحالفات، تتحرك مشاريع استراتيجية تسعى إلى إعادة رسم خرائط النفوذ في الإقليم.

وفي قلب هذه التحولات يبرز ما يمكن تسميته بتلاقي مشروعين كبيرين يتقاطعان في الأدوات ويختلفان في الأهداف: مشروع أمريكي يبحث عن تثبيت الهيمنة في النظام الدولي، ومشروع إسرائيلي يسعى إلى إعادة تشكيل البيئة الأمنية المحيطة به بما يضمن تفوقه واستمرارية تمدده داخل الإقليم مع الأخذ بعين الإعتبار المشروع الإيراني .

فالولايات المتحدة لا تنظر إلى الشرق الأوسط باعتباره مجرد منطقة نزاع، بل باعتباره أحد المفاتيح الأساسية لإدارة التوازنات العالمية. فمن خلال هذه الجغرافيا تمر أهم طرق الطاقة والتجارة، ومنها تتشكل الكثير من معادلات النفوذ في العالم. ولذلك فإن الحضور العسكري الأمريكي والتحالفات السياسية الممتدة في المنطقة ليست مجرد استجابة لأزمات طارئة، بل جزء من استراتيجية أوسع للحفاظ على النفوذ العالمي ومواجهة القوى الصاعدة في النظام الدولي.

أما إسرائيل، فإن حساباتها تنطلق من زاوية مختلفة. فالمسألة بالنسبة لها ليست إدارة النظام الدولي، بل إعادة هندسة البيئة الأمنية الإقليمية. فمنذ عقود تسعى إلى الانتقال من موقع الدولة التي تواجه جبهات صراع متعددة إلى موقع الدولة التي تتحكم في طبيعة التهديدات المحيطة بها. ويتم ذلك عبر تفكيك الاصطفافات التقليدية التي تشكلت تاريخيًا ضدها، وإعادة توجيه بوصلة الصراعات الإقليمية نحو اتجاهات أخرى.

وفي هذا السياق برزت إيران بوصفها أحد أبرز العوامل التي أعادت تشكيل المشهد الأمني في المنطقة. فالتوترات المتصاعدة بين طهران وعدد من دول الخليج وبعض الدول العربية ، سواء نتيجة الصراعات الإقليمية أو سياسات النفوذ أو الحروب غير المباشرة، أسهمت في خلق واقع سياسي جديد أعاد ترتيب أولويات الأمن لدى كثير من العواصم خاصة بعد استهداف أراضيها .

وهنا تتقاطع الحسابات الاستراتيجية بطريقة لافتة؛ فكلما تصاعد التوتر بين إيران وبعض الدول العربية، تراجعت مركزية الصراع العربي الإسرائيلي في معادلة التهديد الإقليمي، وهو تحول يفتح المجال أمام إسرائيل للتحرك داخل البيئة الإقليمية بهوامش أوسع مما كان ممكناً في مراحل سابقة.

ومن هنا يبرز بوضوح أحد الأبعاد الأكثر حساسية في المشهد الإقليمي، وهو استخدام الصراع مع إيران كعامل لإعادة هندسة التحالفات في الشرق الأوسط كجزء من اعادة رسم الخارطة في المنطقة . فالتوتر مع طهران لم يعد مجرد صراع إقليمي تقليدي، بل تحول في كثير من الأحيان إلى مدخل لإعادة ترتيب شبكة العلاقات السياسية والأمنية في المنطقة، حيث تتقاطع المخاوف الأمنية مع الحسابات الاستراتيجية الكبرى.

وفي ظل هذه المعادلة المعقدة، تجد بعض الدول نفسها أمام أولويات أمنية جديدة فرضتها التحديات الإقليمية، وهو ما أتاح المجال لنشوء أنماط مختلفة من التقارب السياسي والأمني لم تكن مطروحة في السابق. وهكذا يصبح الصراع مع إيران، في بعض الأحيان، عنصراً من عناصر إعادة تشكيل الخريطة السياسية للتحالفات في الشرق الأوسط.

لكن المفارقة الأعمق لا تكمن في سياسات الدول وحدها، بل في حالة التناقض التي تعيشها الشعوب العربية والإسلامية. فهذه الشعوب تقف اليوم بين معادلتين متداخلتين: معادلة الذاكرة التاريخية التي ترى في إسرائيل الخصم الأكثر حضوراً في مسار الصراع الطويل على الأرض والهوية، ومعادلة الواقع السياسي الراهن الذي فرض صراعات جديدة مع قوى إقليمية أخرى بدأت تمس الأمن المباشر لبعض الدول العربية.

وبين هاتين المعادلتين يتشكل نوع من الارتباك في الوعي السياسي الجمعي، حيث تتداخل مفاهيم العدو والخصم والمنافس في مشهد إقليمي شديد التعقيد. فالعاطفة التاريخية تدفع باتجاه قراءة الصراع من زاوية الذاكرة، بينما يحاول العقل السياسي التعامل مع الوقائع الجديدة التي فرضتها التحولات الإقليمية.

إن الشرق الأوسط اليوم لا يعيش فقط صراعاً على النفوذ أو الحدود، بل يعيش أيضاً صراعاً على تعريف التهديد نفسه. فكل مشروع إقليمي أو دولي يسعى إلى إعادة صياغة سردية الخطر بما يخدم مصالحه ويعيد ترتيب أولويات المنطقة وفق رؤيته الخاصة.

وفي مثل هذه اللحظات التاريخية، تصبح المنطقة أقرب إلى رقعة شطرنج كبرى تتحرك فوقها القوى الدولية والإقليمية وفق حسابات دقيقة، بينما تتغير قواعد اللعبة ببطء ولكن بثبات دون ان ترى يد اللاعب .

غير أن السؤال الذي يظل معلقاً فوق سماء الشرق الأوسط يبقى أكثر عمقاً من كل هذه التحليلات:
هل تدرك شعوب المنطقة طبيعة المشاريع التي تتحرك فوق أرضها، أم أنها ستكتشف متأخرة أن خرائط النفوذ قد رُسمت بالفعل بينما كانت منشغلة بصراعات العناوين اليومية؟؟

فالتاريخ يخبرنا أن أخطر ما يمكن أن يحدث للأمم ليس أن تخسر معركة، بل أن تُعاد صياغة موازين القوة من حولها دون أن تدرك أنها كانت جزءاً من تلك اللعبة .





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :