رقعة الشرق الأوسط .. المباراة التي لم تنته بعد
سمير حمدان - بودابست
18-03-2026 06:17 PM
ليست حرباً بل لعبة لا يعرف أحد كيف تنتهي
قال دونالد ترامب إن ما يجري ليس حرباً تقليدية بل لعبة شطرنج على مستوى عالٍ، وإنه يتعامل مع خصوم أذكياء جداً، عبارة بدت للوهلة الأولى تبسيطاً سياسياً، لكنها في الواقع تكشف جوهر المرحلة، حيث لم تعد الحروب تُخاض لحسم سريع، بل تُدار كمسارات طويلة، تتحكم فيها الحسابات الدقيقة، ويصبح فيها التوقيت أهم من القوة، والتموضع أهم من الضجيج، وتتحول كل خطوة إلى محاولة لإعادة رسم موقع الخصم لا لإنهائه.
النقلة التي أعادت تعريف البداية 7 أكتوبر 2023
في الشطرنج هناك لحظة لا يُهزم فيها الملك بعد، لكن كل شيء حوله يتغير، لحظة لا تُعلن النهاية بل تعيد كتابة البداية، لحظة تتحرك فيها قطعة صغيرة فتجبر الجميع على إعادة التفكير في كل ما اعتقدوا أنهم فهموه، وكان السابع من أكتوبر 2023 تلك اللحظة، حيث لم يعد الحدث محلياً، بل تحول إلى مسار إقليمي ودولي مفتوح.
ما بدأ في غزة لم يبقَ في حدودها، بل تحركت الرقعة بكاملها، البحر الأحمر لم يعد ممراً تجارياً، بل أصبح نقطة ضغط على شرايين التجارة العالمية وأسعار الطاقة، لبنان عاد إلى حافة الانفجار، والعلاقة بين واشنطن وطهران دخلت مرحلة أكثر هشاشة، وفي الخلفية ترتفع كلفة التأمين والشحن، وكأن الاقتصاد العالمي نفسه أصبح جزءاً من اللعبة.
كما كتبت Margaret MacMillan، الحروب الكبرى لا تعيد رسم الخرائط فقط، بل تعيد تشكيل طريقة تفكير الدول، وهو ما يلتقي مع رؤية Henry Kissinger بأن النظام الدولي لا يقوم على النوايا، بل على توازنات القوة، وهي توازنات تتغير الآن ببطء، لكن بثبات.
المشكلة لم تعد أن الحرب مستمرة، بل أن الجميع بدأ يتعلم كيف يعيش داخلها، وكيف يديرها كحالة دائمة، ويتعامل مع غياب الحسم كأنه شكل من أشكال الاستقرار.
الولايات المتحدة… حين يصبح الملك مقيداً بقواعد اللعبة
في الشطرنج، الملك ليس الأقوى، لكنه الأهم، وهذا ما كانت تمثله الولايات المتحدة لعقود، لكنها اليوم تتحرك في رقعة مزدحمة، حيث تتقدم الصين اقتصادياً، وتعود روسيا استراتيجياً، وتفرض القوى الإقليمية حضورها.
يعكس ترامب هذا التحول، فهو يتحدث بلغة الردع، لكنه يفكر بعقلية لاعب يدرك أن الفوز لا يعني تدمير الخصم، بل وضعه في موقع لا يستطيع فيه المناورة، لذلك تتحرك واشنطن بين الحسم وإدارة المخاطر، محاولة الحفاظ على موقعها دون الانزلاق إلى حرب تستنزفها داخلياً.
القوة اليوم لم تعد في القدرة على بدء الحرب، بل في القدرة على التحكم بإيقاعها، وإنهائها في اللحظة التي تخدم موقعك العالمي.
الوزير الصيني… حين تتحرك القوة بصمت
الصين تتحرك كوزير في منتصف الرقعة، لا تُحدث ضجيجاً، لكنها تغيّر التوازن، تبني نفوذها عبر التجارة والطاقة والاستثمار، وتعيد تشكيل موازين القوة من داخل الاقتصاد العالمي، حيث من يسيطر على التدفقات التجارية لا يحتاج إلى إطلاق النار، بل يكفيه أن يغيّر اتجاه الحركة ليعيد ترتيب مواقع الآخرين.
روسيا… حين تتحرك القلعة يتغير المسار
روسيا تعتمد على مزيج من القوة العسكرية والطاقة، وتستفيد من كل اضطراب في الأسواق، حيث يمنحها ارتفاع الأسعار مساحة أوسع للحركة، والقلعة لا تتحرك كثيراً، لكنها عندما تتحرك تعيد رسم الاتجاه وتفرض على الآخرين إعادة الحساب.
الفيلان: إسرائيل وإيران… بين الضربة والزمن
إسرائيل وإيران تتحركان كفيلين على قطرين متوازيين، لا يلتقيان بسهولة، لكن تأثيرهما يمتد بعيداً، إسرائيل تعتمد على سرعة الضربة وإدارة اللحظة، وتسعى لتثبيت الردع، بينما تعتمد إيران على صبر الاستنزاف الطويل وتراكم النفوذ.
ما يجري ليس معركة واحدة، بل اختبار قدرة على التحمل، وعلى من يستطيع البقاء في اللعبة أطول.
الحصان التركي… حين تأتي الحركة من خارج الحسابات
تركيا تتحرك كحصان، لا تسير بخط مستقيم ولا تُقرأ بسهولة، تقفز فوق التوازنات وتعيد التموضع بين التحالفات، عضو في الناتو لكنها تتعاون مع روسيا، وتفاوض الجميع في الوقت نفسه، وهذه الحركة غير المتوقعة تعكس محاولة لبناء نفوذ مرن في بيئة لا تكافئ الثبات، بل القدرة على التكيف.
قلب الرقعة… دول الخليج
دول الخليج تمثل المركز الحقيقي للرقعة، حيث تتقاطع الطاقة والأسواق والاستثمارات، وهي ليست في الواجهة العسكرية، لكنها تؤثر في كل ما يحدث، من أسعار النفط إلى استقرار الاقتصاد العالمي، وهذا النوع من القوة لا يظهر في الضجيج، بل في القرارات التي تُتخذ قبل أن تبدأ المواجهة.
الأردن… حين يصبح البقاء إنجازاً
الأردن يتحرك بحذر شديد، لأنه يقف على خطوط تماس مباشرة مع الأزمات، لذلك يعتمد على توازن دقيق بين الداخل والخارج، حيث يصبح الاستقرار هدفاً بحد ذاته، ويصبح تجنب الانفجار شكلاً من أشكال النجاح السياسي.
مصر… حين يكون الثبات قوة
مصر تحافظ على موقعها وتقرأ التحولات بعناية، وتدرك أن الحركة في اللحظة الخاطئة قد تكون أكثر كلفة من عدم الحركة، لذلك تستخدم التوقيت كأداة استراتيجية في بيئة سريعة التغير.
الجنود… الذين يحددون اتجاه اللعبة
سوريا ولبنان والعراق واليمن ليست هوامش، بل ساحات تتحرك فيها التوازنات، وكل تغيير فيها يعيد تشكيل الصورة الكبرى، وكما قال Thomas Friedman، القوى الكبرى تعتقد أنها تدير الشرق الأوسط، قبل أن تكتشف أن الأحداث هي التي تعيد تشكيل حساباتها.
العالم… الذي يراقب أكثر مما يفعل
الحرب لم تعد محلية، بل أصبحت مشهداً عالمياً، تتأثر به الأسواق والرأي العام، لكن القرار السياسي يبقى أبطأ من الحدث، والعالم لا يفتقر إلى المعرفة، بل إلى القدرة على اتخاذ القرار في اللحظة المناسبة.
اللعبة الوسطى… حيث لا أحد يملك النهاية
الشرق الأوسط يعيش مرحلة لا حسم فيها، حيث تُعاد كتابة القواعد ببطء، ويتغير فيها تعريف النصر نفسه، فلم يعد النصر أن تُسقط خصمك، بل أن تتركه بلا خيارات.
لهذا لا تبدو عبارة ترامب مجرد توصيف، بل اعتراف بطبيعة لعبة خرجت عن السيطرة، والمشكلة لم تعد أن الحرب تشبه الشطرنج، بل أن الجميع بدأ يلعبها وكأنه يعرف كيف ستنتهي، بينما الحقيقة أن الرقعة نفسها هي التي تعيد تشكيل اللاعبين.
وفي هذه الرقعة، لا ينتصر من يهاجم أولاً، بل من يفهم اللعبة أكثر… ويصبر أطول.