المعايدة في زمن السوشيال ميديا .. أردنيون بين دفء الزيارات وبرود الشاشات
18-03-2026 09:53 PM
عمون - مع اقتراب عيد الفطر السعيد، تتجدد طقوس المعايدة التي اعتادها الأردنيون جيلاً بعد جيل، غير أن التحولات الرقمية المتسارعة خلال السنوات الأخيرة أعادت تشكيل ملامح هذه العادة الاجتماعية، لتصبح رسائل التهنئة السريعة ومكالمات الفيديو عبر الهواتف الذكية جزءاً أساسياً من مشهد العيد، إلى جانب الزيارات العائلية التي ما تزال تحتفظ بمكانتها في الوجدان الاجتماعي.
وفيما كانت الزيارات المنزلية والمصافحات المباشرة تمثل الصورة التقليدية للمعايدة، باتت مجموعات العائلة على تطبيقات التواصل الاجتماعي مساحة أولى لتبادل التهاني مع الساعات الأولى من صباح العيد، حيث تتدفق الرسائل الصوتية والصور ومقاطع الفيديو المحملة بعبارات التبريك والدعاء.
وفي هذا السياق، رُصدت آراء مواطنين وخبراء حول تأثير وسائل التواصل الاجتماعي على شكل المعايدة، حيث أكد الناطق الإعلامي لوزارة الأوقاف والشؤون والمقدسات الإسلامية الدكتور أحمد الحراسيس أن صلة الرحم تضبطها جملة من المعايير، أبرزها عدم الانقطاع عن نمط التواصل المعتاد مع الأقارب، سواء كان بالزيارة أو الاتصال أو الإحسان، محذراً من أن قطع هذا التواصل يُعد من كبائر الذنوب.
وبيّن أن العرف الاجتماعي يلعب دوراً مهماً في تحديد كفاية زيارة العيد كصلة للرحم؛ فإذا كان المجتمع يعد الاكتفاء بها تقصيراً، وجب على المسلم الزيادة في التواصل، خاصة مع الأقارب القريبين، أما إذا لم يُعد ذلك تقصيراً فلا حرج، مع التأكيد على أن الكمال يكون بالإكثار من الصلة، ولو بالكلمة الطيبة أو الاتصال الهاتفي.
من جانبه، أوضح أستاذ علم الاجتماع في جامعة اليرموك الدكتور محمد الحراحشة أن تأثير السوشيال ميديا يمكن قراءته من زاويتين؛ الأولى إيجابية، حيث تشكل هذه الوسائل فضاءً عابراً للحدود يعزز التواصل بين العائلات المتباعدة جغرافياً، ويمنح حالة من "التزامن الشعوري" الذي يكسر عزلة المسافات، ويمنح المغتربين حضوراً رمزياً فاعلاً.
وفي المقابل، أشار إلى زاوية سلبية تتمثل في "اغتراب التواصل"، إذ تتحول المعايدة إلى ممارسة سطحية تختزل في رسائل سريعة، تمنح شعورا زائفا بأداء الواجب الاجتماعي، ما يقلل من الدافع للزيارة الفعلية، ويضعف البعد الإنساني للعلاقات.
بدورها، أكدت الباحثة في الإرشاد النفسي الدكتورة منى صالح، أن العيد في جوهره ليس رسالة فقط، بل حالة إنسانية تُعاش، قوامها اللقاء والتواصل المباشر، مشددة على أن المعايدة الحقيقية تتمثل في الحضور والمشاركة والاهتمام، لا في الرسائل الجماعية الباردة التي تُنسى سريعاً.
وأضافت أن العيد الحقيقي هو الذي يُشعر الآخر بقيمته ومكانته، عبر الزيارة والإنصات والمشاركة، في حين أن الاكتفاء بالوسائل الرقمية يحول المناسبة إلى تجربة شكلية تفتقر إلى الدفء الإنساني.
من جهتهم، أكد مواطنون أن المجتمع الأردني، بطبيعته القائمة على الروابط العائلية الممتدة، ما يزال يفضل الزيارات المباشرة، رغم أن الظروف الاقتصادية وتسارع وتيرة الحياة دفعا بعض الأسر إلى تنظيم الزيارات أو تقليصها، واللجوء إلى وسائل التواصل كخيار عملي يحافظ على التواصل دون أعباء إضافية.
وأشاروا إلى أن هذه الوسائل لم تُبطل تقاليد المعايدة، التقليدية، بل أعادت ترتيبها، حيث تبدأ التهنئة رقمياً، ثم تُستكمل بالزيارات خلال أيام العيد.
بدوره، قال المواطن أبو ياسين إن نمط الحياة السريع والتطور التكنولوجي أسهما في تغيير بعض العادات، إلا أن عيد الفطر ما يزال يمثل فرصة لإحياء قيم الألفة والتواصل، من خلال الجلوس مع العائلة وزيارة الأقارب والجيران.
ورغم هذا التحول الرقمي، يبقى العيد مناسبة إنسانية تتجدد فيها معاني القرب والتراحم، إذ تمتد جسور المعايدة بين رسالة تصل عبر الهاتف، ويد تصافح في بيت العائلة، ليظل التوازن بين التقنية واللقاء الإنساني هو العنوان الأبرز لطقوس العيد في المجتمع الأردني.
(بترا- عماد العبادي)