قراءة جدلية في أخطر لقاء مع طلال أبو غزالة
السفير د. موفق العجلوني
23-03-2026 03:58 PM
توقفت مليًا أمام حلقة لافتة وغير مسبوقة تناولت حوارًا عميقًا ومباشرًا مع المفكر ورجل الأعمال طلال أبو غزاله، خرج عن إطار اللقاءات التقليدية ليغوص في أسئلة مصيرية حول مستقبل العالم، وسط طروحات جريئة أثارت اهتمامًا واسعًا وجدلًا لا يقل حدة.
منذ اللحظات الأولى، طرح أبو غزاله رؤية قائمة على أن العالم يقف على حافة تحوّل جذري، معتبرًا أن ما نشهده اليوم ليس مجرد أزمات متفرقة، بل مرحلة انتقالية نحو نظام عالمي جديد. وركّز في حديثه على تصاعد التوتر بين القوى الكبرى، خاصة بين الولايات المتحدة والصين، معتبرًا أن هذا الصراع لم يعد اقتصاديًا فقط، بل أصبح شاملًا يمتد إلى التكنولوجيا والسياسة وحتى النفوذ الثقافي.
الحوار اتسم بطابع نقدي تفاعلي، حيث طُرحت تساؤلات جوهرية حول مدى واقعية هذه التوقعات: هل نحن أمام قراءة مبنية على معطيات دقيقة أم تصور يميل إلى التشاؤم؟ وهل العالم مقبل فعلًا على صراع واسع أم مجرد إعادة توازن؟ وما موقع العالم العربي ضمن هذه التحولات؟ هذه الأسئلة دفعت أبو غزاله إلى توضيح منهجيته، مؤكدًا أنه لا "يتنبأ" بقدر ما "يحلل اتجاهات قائمة".
من أبرز ما طرحه كان حديثه عن عام 2027، الذي وصفه بأنه قد يكون نقطة فاصلة: إما لحظة حسم تعيد ترتيب النظام العالمي، أو صدمة كبرى على شكل أزمة اقتصادية أو صراع واسع. كما أشار إلى مؤشرات مثل التضخم العالمي، واضطراب سلاسل الإمداد، وتزايد النزاعات الجيوسياسية، معتبرًا أنها دلائل على اقتراب مرحلة أكثر اضطرابًا.
لكن، وبنظرة نقدية، يمكن القول إن هذا الطرح يحمل جانبين متباينين. فمن جهة، تُحسب له قدرته على قراءة الصورة الكبرى وربط الأحداث ببعضها بشكل تحليلي عميق، مما يمنح الجمهور فرصة لفهم ما يجري خارج العناوين السطحية. كما أن جرأته في طرح سيناريوهات غير مريحة تساهم في كسر حالة الاطمئنان الزائف.
ومن جهة أخرى، يُؤخذ عليه ميله إلى تعميم السيناريوهات القاتمة دون تقديم بدائل واضحة أو حلول عملية، ما قد يخلق لدى المتلقي شعورًا بالقلق أو حتى العجز. كما أن تحديد عام 2027 كنقطة فاصلة قد يبدو للبعض مبالغًا فيه أو غير دقيق، خاصة في عالم تتغير فيه المعطيات بسرعة.
أما تأثير هذا الطرح على المستمع، فهو مزدوج؛ فهناك من سيخرج بوعي أعمق وإدراك أكبر لتعقيدات المشهد العالمي، مدفوعًا للتفكير والتحليل، فيما قد يشعر آخرون بالارتباك أو الخوف، خاصة مع غياب صورة واضحة لما يمكن فعله في مواجهة هذه السيناريوهات.
في طرحه العام، أكد أبو غزاله أن العالم ليس في أزمة عابرة، بل في "مرحلة إعادة تشكيل كبرى"، متحدثًا عن مسار يتجه نحو تصاعد الصراع الدولي وتفكك النظام العالمي التقليدي، مقابل صعود قوى جديدة. واعتبر أن العلاقة بين الولايات المتحدة والصين لم تعد مجرد تنافس، بل "حرب بأدوات مختلفة" تشمل الاقتصاد والتكنولوجيا والنفوذ، مع احتمال تطورها مستقبلًا إلى مواجهة أكثر مباشرة.
كما أشار إلى أن التوازن الدولي الحالي مؤقت، وأن مختلف الأطراف تستعد لمرحلة قادمة أكثر حدة. وعند الحديث عن تحديد عام 2027، أوضح أن ذلك استنتاج مبني على مجموعة مؤشرات، منها تسارع سباق التكنولوجيا، وإعادة تشكيل التحالفات الدولية، وتصاعد الأزمات الاقتصادية، دون تقديم دليل حاسم يربط هذه العوامل بهذا التوقيت تحديدًا.
وفي الجانب الاقتصادي، طرح فكرة أن العالم يتجه نحو "اهتزاز كبير"، يتمثل في إعادة توزيع الثروة والنفوذ، في ظل تضخم مرتفع، وديون عالمية متراكمة، وهشاشة في النظام المالي. وأشار إلى أن الدول النامية قد تكون الأكثر تأثرًا، لكنها قد تمتلك فرصًا إذا أحسنت قراءة التحولات.
أما فيما يتعلق بالعالم العربي، فقدّم قراءة واقعية تميل إلى التحفظ، معتبرًا أن المنطقة لا تزال في موقع المتلقي أكثر من الفاعل، مع إمكانية الاستفادة من التحولات إذا تم استيعابها مبكرًا، رغم غياب رؤية عملية واضحة لتحقيق ذلك.
لا يمكن إنكار أن هذا الطرح يقدّم قراءة مترابطة تجمع بين السياسة والاقتصاد والتكنولوجيا، وهو ما يمنحه قيمة تحليلية مهمة. إلا أن هناك ملاحظات جوهرية، أبرزها:
• المبالغة في حتمية السيناريوهات
• غياب الأدلة الدقيقة، خاصة فيما يتعلق بالتوقيت
• التركيز على المخاطر دون تقديم حلول عملية
مثل هذه الحوارات لا تمر مرورًا عاديًا، بل تترك أثرًا واضحًا في اتجاهين:
• إيجابيًا: تعزز الوعي، وتدفع نحو التفكير الاستراتيجي، وتوسّع زاوية النظر إلى المشهد العالمي
• سلبيًا: قد تخلق حالة من القلق أو الضبابية في ظل غياب إجابات عملية
في المحصلة، ما طُرح لم يكن مجرد حديث عابر، بل قراءة صادمة تستحق النقاش. وبين التحليل والتحذير، يبقى الحكم النهائي بيد المتلقي: هل هي رؤية استشرافية تستدعي الانتباه، أم قراءة متشائمة لا تعكس بالضرورة ما سيحدث؟
لكن المؤكد أن العالم يتغير، والسؤال لم يعد هل سيتغير… بل كيف ومتى وبأي ثمن.
* المدير العام - مركز فرح الدولي للدراسات والأبحاث الاستراتيجية
muwaffaq@ajlouni.me