إيران بعد الحرب: من مشروع القوة الإقليمية إلى أزمة البقاء
د. عماد الحمادين
25-03-2026 11:10 AM
الجرح الايراني عميق والدولة تعرضت للاذلال الممنهج وصورة القوة العظمى التي رسمها النظام الايراني للشعب الايراني والقدرات التي سوقها اعلاميا تم تدميرها ودفعت ايران ثمنا باهظا للهالة الكرتونية التي احاط النظام بها نفسه. فقد قتلت اسرائيل والولايات المتحدة تقريبا الصف الاول والثاني في القيادة الايرانية وحطمت نظرية الدفاع المتقدم التي تبنتها ايران لحمايتها واستخدمت فيها الساحات العربية كدرع حماية وكوقود لحربها مع اسرائيل.
من المستبعد أن تخرج ايران من الحرب كما كانت فحتى لو توقفت الحرب الان فالتدمير الذي طال المرافق العامة والخسائر التي تقدر ب 130 مليار دولا يصعب إعادة تعويضه في المدى المنظور. هذا يذكرنا بالتدمير الذي طال سوريا ويحتاج تقريبا لنفس الرقم حتى يعاد بنائها.
الواقع المنسي أن إيران لم تدخل حربًا حقيقية ومواجهة إلا مع العراق، وفشلت في تلك الحرب وخسرت 250 ألف قتيل. ولكن سقوط العراق بسبب العدوان الأمريكي والفتوى الشيعية بتحريم قتال الأمريكيين أدّى إلى تفشي الوباء الإيراني الطائفي في الدول العربية ذات المكون الشيعي. وفي هذا السياق وظفت إيران الإيديولوجيا بشكل جيد جدا للسيطرة على البسطاء من الطائفة الشيعية، وبالمقابل وفرت مصالح مادية كبيرة ونفوذاً للسيطرة على الملالي ووكلاء الفقيه في العراق، وأصبغت هالة دينية على المرشد الأعلى، كونه بديلاً عن الحجة الغائب ونائباً لله على الأرض يصعب معارضته.
لكن الحرب الحالية أظهرت تآكل هذا النموذج، حيث ساهمت في خيبة أمل كبيرة لدى أتباع المذهب عندما رأوا أن إيران خلال عام واحد فقط تقلصت قدراتها ولم تعد تسيطر على أذرعها وعملائها، وانتهى وجودها في سوريا، شريان الحياة لحزب الله، وذهب برنامجها إدراج الرياح وتبخرت الهالة الدينية بالاختراقات التجسسية للدولة الإيرانية. إيران الآن تبحث عن مخرج يحفظ ماء الوجه ويحافظ على وحدة إيران لكن بثمن باهظ وهو التقهقر الى الخلف والانكفاء على الداخل وضعف الوجود على الساحة الدولية.
سينشغل النظام كثيرا بعد الحرب بالصراعات الداخلية وبالاوضاع المزرية للسكان وانقطاع الماء والكهرباء ومحاولة اعادة البنية التحتية ولن يكون هناك رفع للعقوبات حتى تستسلم ايران لجميع المطالب الاسرائيلية والامريكية. أيران كقوة اقليمية انتهت ولم يعد بالامكان ان يتم الاعتماد عيها من قبل الاذرع والعملاء الخارجيين والذين بدورهم سيطولهم التدمير والانهاء. المنطقة باتجاة تحالفات تكون اطرافها دول وليس جماعات و فواعل ما دون الدولة لان الاخيرة اثبتت انها تأتمر باوامر خارجية وولاؤها خارجي وليس داخلي.
في المحصلة، لا تبدو إيران بعد هذه الحرب كما كانت قبلها؛ فحتى في حال توقف العمليات العسكرية، فإن آثارها الاستراتيجية ستستمر لسنوات، وستفرض على طهران إعادة تعريف دورها الإقليمي وأدوات نفوذها، ضمن بيئة أكثر تعقيدًا وأقل قابلية للمغامرة.