إعادة رسم طرق النقل ومراكز الطاقة .. الأردن في قلب الحدث
محمد حسن المومني
27-03-2026 10:02 AM
في لحظات التحول الكبرى، لا تعاد صياغة المنطقة فقط عبر الجيوش والسياسة، بل ايضا عبر الطرق والموانئ والانابيب والممرات. وقد يكون هذا هو الشكل الاهدأ والاكثر خطورة لتغيير الخارطة. فالحدود قد تبقى ثابتة، لكن قيمتها تتغير عندما تنتقل التجارة الى مسار جديد، او عندما يفقد ميناء مركزي وزنه، او عندما يستبعد بلد من ممر اقليمي ويستعاض عنه باخر.
بمعنى اوضح؛ الخارطة الحديثة لا ترسمها فقط الجغرافيا السياسية، بل الجغرافيا اللوجستية ايضا. من يمر من هنا؟ من يستبعد من هناك؟ اين تتجمع الطاقة؟ اين تتحرك البضائع؟ واي عاصمة تتحول الى عقدة ربط، وايها تصبح هامشا؟ هذه الاسئلة تبدو اقتصادية في ظاهرها، لكنها في الحقيقة اسئلة سيادة ونفوذ ومكانة.
الشرق الاوسط يعيش اليوم لحظة كهذه. الصراع على الموانئ، وعلى الممرات البديلة، وعلى طرق الربط بين اسيا واوروبا، وعلى امن البحر الاحمر والخليج وشرق المتوسط، ليس تفصيلا جانبيا في المشهد. هو جزء من اعادة صياغة المنطقة. وفي كثير من الاحيان، قد يكون المسار التجاري الجديد اشد اثرا من البيان السياسي، لانه يعيد توزيع الاوزان بصمت.
في هذه المسألة تحديدا، يحتاج الاردن الى عين مفتوحة جدا. لان موقعه لا يتيح له ترف الغياب عن خرائط النقل والطاقة الجديدة. والعقبة ليست مجرد ميناء وطني، بل ركيزة من ركائز الموقع الاردني في المنطقة. واي تراجع في اهميتها، او اي التفاف طويل المدى على دور الاردن اللوجستي، لا ينبغي ان يقرأ بوصفه مسألة استثمارية فقط، بل بوصفه تحولا يمس الوزن الاستراتيجي للدولة.
ولهذا فان التعامل الاردن مع فكرة الخارطة الجديدة يجب ان يتجاوز الخوف من تغيير الحدود الى حماية الموقع داخل شبكات الحركة المستقبلية. ليس كافيا ان تبقى الدولة مستقرة اذا كانت تستبعد تدريجيا من خطوط الربط والتجارة والطاقة. لان الدول لا تهمش فقط بالحرب، بل قد تهمش ايضا باعادة تنظيم المرور من حولها.
الدرس هنا ان الدفاع عن المكان لا يكون فقط على الحدود. يكون ايضا في الميناء، والطريق، والمنطقة الصناعية، والربط الكهربائي، وشبكات النقل. من يقرأ الخارطة بعين عسكرية فقط يقرأ نصفها. اما النصف الاخر، فهو الذي يحدد اي الدول ستبقى في القلب وايها ستكتشف متأخرة انها اصبحت على الهامش.