ما أسهل أن تسأل: لماذا لا يأخذ الأردن الغاز من قطر؟
إحسان الفقيه
27-03-2026 01:09 PM
في النقاشات العامة، يُطرح السؤال وكأنه كشفٌ لحقيقة مخفية:
"إذا كانت قطر تملك أكبر احتياطي غاز في العالم، فلماذا لا يأخذ الأردن منها بدلا من غيرها؟"
سؤال يبدو بريئا… لكنه في الحقيقة مبني على تبسيط مُخِلّ لفهم ما هي الطاقة أصلا في عالم السياسة....
فالغاز ليس "سلعة في السوق" تختارها كما تختار مُنتجًا على رفّ متجر أو بسطة "تبيع البصل" في حارة شعبية...
الغاز في عالم الدول قرار جيوسياسي مُركّب، تحكمه الجغرافيا، وتُقيّده البنية التحتية، وتُحدده العقود طويلة الأمد، قبل أن تحكمه النوايا أو العواطف يا قوم ..
أولا: الجغرافيا لا تُجامِل أحدا ...
ولنبدأ من أبسط حقائق السياسة:
الدول لا تشتري من "الأفضل"… بل من "الأقرب"....
والحقيقة لا يوجد أي خط أنابيب يربط قطر بـ الأردن ،
بينما يرتبط الأردن مباشرة بشبكة إقليمية تشمل مصر وشرق المتوسط، عبر Arab Gas Pipeline، إضافة إلى الغاز القادم من حقل Leviathan gas field.
في عالم الطاقة، الأنبوب أقوى من الرغبة.... فالغاز الذي يسير في أنبوب أقرب، هو دائما الأرخص والأكثر استقرارا...
- ثانيا: الغاز القطري ليس "حُرّا" كما يُتصوّر..
قطر قوة عملاقة في الغاز، نعم.... لكن إنتاجها من حقل North Field gas field مرتبط بعقود طويلة الأمد مع قوى كبرى في آسيا وأوروبا....
هذه العقود: تمتد لـ (20–25 سنة) بكميات محددة وبأسعار مرتبطة بأسواق عالمية
بمعنى آخر:
- الغاز القطري مباع قبل أن يُستخرج....
وفكرة أن دولة ما ... تستطيع ببساطة "تحويل وجهة الغاز" لصالح دولة صغيرة ليست واقعية في منطق السوق العالمي....
ثالثا: الكلفة… الحقيقة التي لا يحبها الخطاب العاطفي المحورجي...
- لكي يصل الغاز القطري إلى الأردن، لا بد أن يتحول إلى:
-غاز مُسال (LNG)
- يُنقل بالسفن
- يُعاد تحويله إلى غاز في Aqaba LNG Terminal
- كل هذه المراحل تعني شيئًا واحدًا:
تكلفة أعلى بكثير....
في المقابل، الغاز القادم عبر الأنابيب:
-لا يحتاج تسييل
- ولا شحن بحري
- ولا إعادة تحويل
ولهذا يكون دائمًا أقل سعرًا....
*الدول لا تدير اقتصادها بالشعارات، بل بالأرقام....
رابعا: الأردن لا يرفض قطر… بل يستخدمها كخيار ...
الأردن بالفعل يمتلك القدرة على استيراد الغاز القطري عبر ميناء العقبة.
أي أنه لم يغلق الباب، بل جعله بابا احتياطيا... وقطر لن تقصّر في حال الاضطرار لا قدّر الله..
وهنا تظهر فلسفة الدولة:
لا تعتمد على مصدر واحد، بل توزّع المخاطر...
خامسا: الطاقة ليست مسألة كرامة… بل بقاء ...
في الخطاب الشعبي، يتحول ملف الغاز إلى سؤال أخلاقي أو سياسي مجرد...
لكن في عقل الدولة، هو سؤال وجودي:
- كيف أوفّر الكهرباء بأقل كلفة؟
- كيف أضمن استمرارية الإمداد في منطقة مضطربة؟
- كيف أتجنب أن أكون رهينة لمصدر واحد؟
= هذه الأسئلة لا تُجاب بالعاطفة، بل بالحسابات...
الخلاصة:
قطر لا "تتجاهل" الأردن ، والأردن لن "تعجز" عن الشراء من قطر في حال الضرورة..
ولكن الأردن يختار ببساطة ما تفرضه عليه الجغرافيا والاقتصاد:
-الأنابيب أرخص من السفن
- القريب أسهل من البعيد
والمتاح فعليا أهم من الممكن نظريا ..
جملة اعتراضية:
في عالم السياسة، لا تسأل: "من يملك الغاز؟"
بل اسأل: "من يستطيع أن يوصله إليك بأقل كلفة وأعلى استقرار؟"
هناك فقط… تبدأ الإجابة الحقيقية.
بالمناسبة:
لو انقطع الغاز خمسة أيام فقط، لن تُختبر أخلاق الآخرين… بل سيُختبر صبر الداخل، وتنكشف قيمة كل قرار اتُّخذ قبل الأزمة...
وهنا فقط نفهم لماذا لا تُبنى سياسات الطاقة على الأُمنيات… بل على أسوأ الاحتمالات.