رواية عَودة تُوت لمصطفى القرنة : الحياة حين تكتب نفسها ببطء
27-03-2026 01:30 PM
كتبت رزان الرابي - في رواية «عَودة تُوت» لا يبدأ الأمر من حدثٍ كبير، ولا من صدمةٍ تفرض نفسها على القارئ، بل من انزلاقٍ هادئ، يكاد لا يُرى، بين حالتين: بين أن يكون الإنسان شيئًا منسيًا، وأن يعود كائنًا يشعر. هذه البداية، التي تبدو بسيطة، تحمل في داخلها كل ما سيأتي لاحقًا؛ لأن مصطفى القرنة لا يكتب الحكاية بوصفها سلسلة وقائع، بل بوصفها حياةً تتشكّل ببطء، وتتكشّف دون استعجال.
توت لا يستيقظ كما يستيقظ الناس. لا يفتح عينيه فجأة، ولا يجلس متسائلًا عمّا حدث. إنما يبدأ الإحساس فيه تدريجيًا، كأن الوعي نفسه متردد. في البداية، هناك ثقلٌ فقط، إحساسٌ غامض بأن الجسد لم يعد مألوفًا. ثم تأتي فكرة صغيرة، غير مكتملة: أنه كان نائمًا. هذه الفكرة لا تفسّر شيئًا، لكنها تفتح بابًا، ومن هذا الباب يدخل العالم كله.
لا يعرف أين هو. الضوء مختلف، لا يشبه الضوء الذي عرفه، والهواء بارد بطريقةٍ لا تُطمئن. هناك وجوه تمرّ، تتوقف أحيانًا، تنظر، ثم تمضي. لا أحد يراه حقًا، أو لعلهم يرونه لكنهم لا يمنحون ما يرونه وقتًا كافيًا ليصبح حقيقة. وهذا، في حد ذاته، أول احتكاك له بالعالم الجديد: عالمٌ لا يتوقّف ليتأكد مما يحدث أمامه.
في القاعة التي وُضع فيها، كان كل شيء ثابتًا أكثر مما ينبغي. الأشياء لا تتحرّك، ولا تتغيّر، كأنها فقدت علاقتها بالزمن. لم يفهم توت لماذا يُحفظ الموتى بهذه العناية، ولماذا يُعرضون. لم يسأل، لأنه لم يكن يملك بعد القدرة على السؤال. كان فقط يشعر بأن هذا المكان لا يخصّه، رغم أنه يحتويه.
حين نهض، لم يكن في ذلك أي معنى بطولي. الحركة نفسها كانت غريبة، تحتاج إلى جهد، وكأن الجسد يتعلّم نفسه من جديد. لم يسمع أحد صوتًا، ولم يلتفت أحد. خرج كما يخرج شخصٌ من غرفةٍ لم يعد يحتملها، دون أن يغلق الباب خلفه.
في الخارج، كان كل شيء أسرع مما ينبغي. الطريق لا يشبه الطريق، والناس لا يشبهون ما يتذكّره. كل شيء يتحرّك، لكن دون أن يبدو أن له غاية واضحة. الضجيج لا يتوقف، ومع ذلك لا يحمل معنى. وقف لحظة، كأن الوقوف هو الطريقة الوحيدة ليفهم. لكنه لم يفهم، فمشى.
لم يكن يعرف إلى أين يذهب. لم يكن يملك اسمًا للمكان الذي يريد الوصول إليه، ولا صورة واضحة له. لكن كان هناك إحساس، خفيف، مستمر، بأن عليه أن يعود. العودة هنا لم تكن قرارًا، بل ميلًا داخليًا، كأن الجسد نفسه يتذكّر طريقًا لا يستطيع العقل استعادته.
في الطريق، بدأ يلاحظ أشياء صغيرة. رجلٌ يأكل واقفًا، بسرعة، كأنه يخشى أن يفوته شيء. طفلٌ يبكي، لكن لا أحد يتوقف عند بكائه. امرأة تنظر في شيءٍ صغير في يدها، ولا ترى ما حولها. هذه التفاصيل لم تكن مفهومة بالنسبة له، لكنها بقيت معه. لم تكن مهمة لأنها تفسّر العالم، بل لأنها تكشفه.
حين جاع، أدرك الجوع بوضوح. هذا الإحساس لم يتغيّر. حاول أن يطلب الطعام، لكن صوته لم يساعده. الكلمات التي يعرفها لم تعد تُفهم، أو ربما لم تعد موجودة. نظر إليه بعض الناس، ثم ابتعدوا. لم يكن في ذلك رفضٌ صريح، بل نوعٌ من التجاهل الهادئ، كأن العالم لا يملك وقتًا كافيًا لكل من يحتاج.
في المساء، جلس قرب طريقٍ طويل. لم يكن المكان مختلفًا عن غيره، لكنه شعر بشيءٍ من السكون. مرّ رجل، جلس إلى جواره، أعطاه قطعة خبز، ثم بقي صامتًا. لم يسأله من هو، ولا من أين جاء. هذا الصمت، البسيط، كان أول شيءٍ مفهوم في هذا العالم. أكل توت ببطء، كأن الأكل نفسه يحتاج إلى تعلّم.
في الأيام التالية، استمرّ في السير. لم يكن يعرف كم مرّ من الوقت. لم يعد يهتم بذلك. الشمس تشرق، ثم تغيب، وهذا يكفي ليعرف أن يومًا انتهى. التعب صار جزءًا منه، لا يقاومه، ولا يحاول التخلص منه.
شيئًا فشيئًا، بدأت صورٌ تظهر في داخله. لم تكن واضحة، ولا مكتملة، لكنها كانت مختلفة عن كل ما يراه حوله. ماء، أشجار، صوتٌ ينادي، ضوءٌ دافئ. هذه الصور لم تشرح نفسها، لكنها كانت تمنحه شعورًا بالاتجاه. لم يكن يعرف إلى أين تقوده، لكنه وثق بها.
اختار أن يسير نحو الجنوب، دون أن يعرف لماذا. ربما لأن شيئًا في داخله كان يشير إلى ذلك. الطريق كان طويلًا، متعبًا، مليئًا بأشياء لا يفهمها. وسائل نقل تمرّ بسرعة، أماكن مزدحمة، أصوات عالية. لكنه لم يحاول أن يندمج في ذلك كله. كان يسير على الهامش، كأن هذا الهامش هو المكان الوحيد الممكن له.
في إحدى الليالي، نام في مكانٍ ضيق، بين جدارين. لم يكن المكان مريحًا، لكنه نام. وفي نومه، رأى شيئًا أوضح من قبل: نهرًا. لم يكن النهر غريبًا، بل مألوفًا بطريقةٍ لا تحتاج إلى تفسير. حين استيقظ، لم يفكّر كثيرًا. فقط تابع السير، كأن هذا النهر ينتظره.
حين وصل إلى الجنوب، تغيّر شيءٌ في إحساسه. الهواء مختلف، الضوء أقرب، والأرض تحمل شيئًا من الذاكرة. لم تكن هذه معرفة، بل شعور. وقف طويلًا، ينظر، دون أن يحاول أن يحدّد ما الذي تغيّر.
حين وصل إلى المكان الذي ظنّ أنه قريته، لم يجد ما يتذكّره. لم تكن هناك البيوت التي يعرفها، ولا الناس الذين يتذكّرهم. كل شيء تغيّر. ومع ذلك، لم يشعر بأنه أخطأ الطريق. كان هناك شيءٌ باقٍ، لا يُرى، لكنه موجود.
جلس قرب الماء. لم يسأل أحدًا، ولم يبحث عن دليل. فقط جلس. لم يكن في ذهنه سؤالٌ واضح، ولا رغبة في إجابة. كان هناك فقط شعورٌ بأن هذا المكان، رغم كل شيء، يخصّه.
لم يبكِ، ولم يفرح. لم تكن هناك مشاعر كبيرة. فقط هدوء، خفيف، كأن شيئًا كان مشدودًا في داخله ثم ارتخى.
مع الوقت، بدأ يعيش. لم يكن هذا قرارًا واعيًا. لم يقل لنفسه إنه سيبدأ من جديد. لكنه وجد نفسه يفعل أشياء بسيطة: يعمل، يأكل، ينام. تعلّم كلمات، ليس لأنه أراد أن يتعلّم، بل لأنه احتاج إلى ذلك.
لم يصبح واحدًا من الناس، لكنه لم يعد غريبًا تمامًا. صار في مكانٍ بين الاثنين. يعرف بعض الأشياء، ويجهل أشياء أكثر. لكنه لم يعد يشعر بالضياع كما في البداية.
أحيانًا، كان يتذكّر. ليس الماضي كله، بل لحظات صغيرة: يد، صوت، ظل شجرة، ضحكة بعيدة. هذه الذكريات لم تكن مؤلمة، ولا مفرحة. كانت فقط موجودة.
وأحيانًا، كان ينسى. وهذا النسيان لم يكن خسارة. كان يخفّف عنه شيئًا لا يستطيع تحديده.
مصطفى القرنة، في هذا العمل، لا يشرح كثيرًا. لا يقول للقارئ ماذا يجب أن يفهم، ولا يضع له معنى جاهزًا. يكتفي بأن يقدّم حياةً تحدث، ببطء، دون ضجيج. الربط بين الماضي والحاضر لا يتم عبر أحداثٍ كبيرة، بل عبر إحساسٍ مستمر بأن الزمن لا ينفصل عن نفسه.
توت لا يعود كما كان، لأنه لا يمكن لأحد أن يعود كما كان. لكنه لا يفقد ما كانه أيضًا. يبقى ذلك الجزء القديم فيه، هادئًا، غير ظاهر، لكنه حاضر.
الحبكة هنا لا تقوم على مفاجآت، بل على تراكمٍ بطيء. كل تفصيل صغير يضيف شيئًا، دون أن يبدو مهمًا في لحظته. ومع الوقت، تتكوّن صورة، لا تكتمل تمامًا، لكنها تكفي.
في النهاية، لا يحدث شيء كبير. لا حلّ، ولا نهاية واضحة. توت يعيش، وهذا كل شيء. لكنه، في هذا العيش البسيط، يحمل ثلاثة آلاف عام، دون أن يتحدث عنها.