الحرب على إيران: بين رواية الخطر الوجودي وإعادة إنتاج التهديد إقليميًا
م. سعيد المصري
28-03-2026 01:54 PM
من فرضية الحسم السريع إلى واقع الاستنزاف المفتوح
لم تنطلق الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى في 28 شباط 2026 بوصفها مواجهة مفتوحة منذ البداية، بل جاءت تتويجًا لمسار طويل من التصعيد غير المباشر، غير أن ما ميّز هذه اللحظة هو الانتقال من سياسة الاحتواء والضربات المحدودة إلى محاولة فرض حسم استراتيجي سريع قائم على استهداف القيادة والبنية العسكرية الإيرانية، على أساس فرضية أن ضربة مركزة قد تُحدث خلخلة داخلية تؤدي إلى انهيار النظام أو على الأقل إضعافه جذريًا، إلا أن تطورات الأسابيع اللاحقة أظهرت أن هذه الفرضية لم تتحقق، وأن الحرب انزلقت عمليًا إلى نمط مختلف قائم على الاستنزاف المتبادل، ما يعني أن الهدف المعلن للحسم السريع تحوّل إلى واقع مفتوح زمنيًا، الأمر الذي يعكس خللًا في التقدير الأولي لطبيعة النظام الإيراني وقدرته على امتصاص الصدمات وإعادة التكيف.
الدفع الإسرائيلي والقرار الأميركي: تقاطع المصالح لا تطابقها
لم يكن انخراط الولايات المتحدة في هذه الحرب نتيجة قرار إسرائيلي أحادي، لكنه في الوقت ذاته لم يكن قرارًا أميركيًا مستقلًا بالكامل، بل جاء نتيجة تفاعل معقد بين اندفاعة إسرائيلية نحو الحسم وقابلية أميركية لتبني الخيار العسكري، حيث نجحت إسرائيل في إعادة تأطير الخطر الإيراني بوصفه تهديدًا لا يقتصر عليها بل يمتد إلى المصالح الأميركية، مستندة إلى مزيج من المعطيات الواقعية حول البرنامج النووي والصاروخي الإيراني، ومبالغة سياسية في تقدير سرعة تحول هذا الخطر إلى تهديد مباشر للأراضي الأميركية، وبذلك فإن ما حدث لا يمكن وصفه بدقة على أنه “تورّط قسري”، بل هو أقرب إلى “تأثير ناجح” دفع واشنطن إلى تبني الإطار الإسرائيلي للحرب، دون أن يلغي ذلك وجود حسابات أميركية ذاتية تتعلق بالردع الإقليمي وأمن الطاقة والممرات البحرية.
تضخيم الخطر النووي وحدود السند الاستخباري
إن تقييم الخطر الإيراني قبل اندلاع الحرب يكشف عن فجوة بين الواقع الاستخباري والخطاب السياسي، فبينما كان البرنامج النووي الإيراني يمثل بالفعل مصدر قلق كبير، خصوصًا مع اقترابه من مستويات تخصيب مرتفعة وضعف الشفافية في بعض المواقع، إلا أن التقديرات المتاحة لم تكن تشير إلى امتلاك إيران لسلاح نووي جاهز أو برنامج تسليحي مكتمل، بل إلى قدرة كامنة على الوصول إلى “عتبة نووية”، وهو فرق جوهري تم تجاوزه في الخطاب السياسي الذي صوّر التهديد بوصفه وشيكًا ومباشرًا، الأمر الذي أسهم في تبرير الخيار العسكري على أساس معطيات تم تضخيمها جزئيًا، وهو ما يطرح تساؤلًا حول مدى دقة الأساس الذي بُنيت عليه الحرب، خصوصًا في ظل وجود مسارات تفاوضية ورقابية لم تكن قد أُغلقت بالكامل قبل 28 شباط.
وهم إسقاط النظام عبر استهداف القيادة
ارتكزت إحدى الركائز الأساسية لتبرير الحرب على فرضية أن اغتيال الصفوف القيادية الأولى والثانية في إيران سيؤدي إلى فراغ سياسي يدفع الشارع الإيراني إلى الانتفاض وإنهاء النظام، إلا أن التطورات الميدانية أثبتت عكس ذلك، حيث أظهرت الدولة الإيرانية قدرة على الحفاظ على تماسكها المؤسسي، كما لم يتحول الضغط العسكري إلى حراك داخلي واسع النطاق قادر على إحداث تغيير جذري، ما يعني أن الرهان على انهيار سريع للنظام كان تقديرًا مبالغًا فيه لا يأخذ بعين الاعتبار طبيعة الأنظمة السياسية ذات البنية الأمنية-المؤسساتية المعقدة، والتي غالبًا ما تزداد تماسكًا تحت الضغط الخارجي بدل أن تنهار، وهو ما يحوّل هذا الافتراض من أداة تبرير إلى نقطة ضعف في المنطق الاستراتيجي للحرب.
إطالة أمد الحرب وتباين الأهداف بين واشنطن وتل أبيب
مع تعثر فرضية الحسم السريع، بدأت الحرب تأخذ مسارًا مختلفًا يعكس تباينًا متزايدًا بين الأهداف الأميركية والإسرائيلية، إذ تميل الولايات المتحدة إلى احتواء إيران ومنعها من التحول إلى قوة نووية مع تجنب حرب إقليمية شاملة، في حين تميل إسرائيل إلى إطالة أمد المواجهة بهدف استنزاف إيران وإعادة تشكيل ميزان القوى الإقليمي بشكل جذري، وهو ما يجعل استمرار العمليات العسكرية يخدم الرؤية الإسرائيلية بدرجة أكبر، ويضع واشنطن أمام معضلة بين مواصلة التصعيد أو السعي إلى تهدئة قد تُفسَّر كتراجع، وبذلك تتحول الشراكة في الحرب إلى علاقة اختلاف في الإيقاع والغاية، حيث لم يعد الهدف مشتركًا بالكامل بل أصبح متعدد المستويات.
مفارقة الحرب: من تقليص التهديد إلى إعادة توزيعه إقليميًا
هنا تتكشف مفارقة استراتيجية عميقة في مسار الحرب، إذ إن تصاعد كثافة الضربات الأميركية–الإسرائيلية، التي يفترض أنها تهدف إلى تقليص التهديد الإيراني واحتوائه ضمن نطاق جغرافي وعسكري محدد، يؤدي عمليًا إلى نتيجة معاكسة تتمثل في تعزيز قدرة إيران على توسيع ساحة المواجهة بدل حصرها، ذلك أن هذه الضربات تدفع طهران إلى تبني نمط ردّ يعتمد على توزيع أدواتها القتالية عبر المجال الإقليمي، سواء من خلال استهداف مباشر أو عبر تفعيل ساحات متعددة، ما يعني أن الضغط العسكري لا يُضعف التهديد بقدر ما يعيد إنتاجه في صورة أكثر انتشارًا وتعقيدًا، وبذلك يتحول الهدف المعلن وهو تقليص المخاطر إلى واقع معاكس يتمثل في إعادة توزيعها جغرافيًا، الأمر الذي يرسّخ انتقال الحرب من نموذج الصراع المركّز القابل للاحتواء إلى نموذج حرب شبكية إقليمية مفتوحة يصعب التحكم بإيقاعها أو حدودها، وهو ما يضاعف من احتمالات انخراط أطراف إضافية ويفرض كلفة استراتيجية أعلى على جميع الفاعلين.
امتداد ساحة الحرب: الخليج والأردن ضمن دائرة الخطر
في ضوء هذا التحول، لم تعد الحرب محصورة بين أطرافها المباشرين، بل امتدت آثارها إلى الإقليم الأوسع، حيث أصبحت دول الخليج العربي عرضة لاستهداف مرافق عسكرية ومدنية في سياق الرد الإيراني على الضربات الأميركية–الإسرائيلية، كما بات الأردن، رغم تبنيه سياسة متوازنة، داخل دائرة المخاطر الناتجة عن عبور الصواريخ والمسيّرات أو سقوط بقاياها، ما يعني أن الحرب أعادت تشكيل الجغرافيا الأمنية للمنطقة بحيث لم يعد الحياد كافيًا لتجنّب تداعياتها، وبذلك تتحول الحرب من صراع ثنائي إلى حالة إقليمية شاملة تتوزع فيها المخاطر على دول لم تكن طرفًا مباشرًا في قرار الحرب، وهو ما يعزز الاستنتاج بأن الاستراتيجية الحالية لا تُقلّص التهديد بل تعيد نشره.
البعد الإنساني وتآكل مشروعية الحرب
إلى جانب الأبعاد الاستراتيجية، يبرز البعد الإنساني بوصفه عنصرًا لا يمكن فصله عن تقييم الحرب، حيث إن استهداف البنية التحتية والمرافق المدنية وسقوط أعداد كبيرة من الضحايا المدنيين يقوض من مشروعية العمليات العسكرية، حتى لو كانت مبررة بخطاب أمني، إذ إن اتساع نطاق الضرر ليشمل المدنيين يعزز السرديات المضادة ويزيد من صعوبة تحقيق استقرار طويل الأمد، كما يخلق بيئة خصبة لتغذية الصراع بدل احتوائه، وبذلك تصبح الكلفة الإنسانية جزءًا من الكلفة الاستراتيجية، لا مجرد نتيجة جانبية لها.
استنتاجات ختامية
تُظهر المعطيات أن الحرب على إيران لم تحقق حتى الآن الأهداف التي بُنيت عليها، بل كشفت عن فجوة بين التقدير النظري والواقع الميداني، حيث لم يثبت أن الخطر الإيراني كان وجوديًا على الولايات المتحدة بالمعنى الذي سُوّق له، كما لم تؤدِ الضربات إلى انهيار النظام الإيراني، في حين أسهمت إطالة أمد الحرب في تعميق التباين بين الأهداف الأميركية والإسرائيلية، وتحويل الصراع من مواجهة قابلة للاحتواء إلى حالة إقليمية مفتوحة تتوزع فيها المخاطر، الأمر الذي يقود إلى استنتاج مركزي مفاده أن الاستراتيجية المعتمدة لم تُنهِ التهديد الإيراني، بل أعادت إنتاجه في صورة أكثر انتشارًا وتعقيدًا، وهو ما يطرح ضرورة إعادة تقييم مسار الحرب قبل أن تتحول من أداة لإدارة الخطر إلى عامل مضاعف له