بين الحسم والاحتواء والاستنزاف: صراع العقائد الثلاث في حرب الشرق الأوسط
م. سعيد المصري
30-03-2026 04:46 PM
يستند هذا المقال إلى التحليل الذي قدّمه جوناثان شيمشوني، أحد كبار الضباط السابقين في المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، والذي حذّر من أن تحويل القوة العسكرية إلى عقيدة قائمة بذاتها لا يؤدي إلى تحقيق الأمن، بل إلى إعادة إنتاج الصراع بصورة أكثر تعقيدًا واستدامة. وقد لخّص رؤيته بأن القوة، رغم ضرورتها، تفقد فعاليتها حين تُستخدم بمعزل عن الأدوات السياسية، لتتحول من وسيلة لضبط التهديد إلى عامل يوسّع نطاقه ويُعيد تشكيله.
غير أن هذا التحذير يأتي في سياق تتبنى فيه الحكومة الإسرائيلية بقيادة بنيامين نتنياهو مسارًا مغايرًا، حيث لم تعد القوة مجرد أداة ضمن أدوات، بل أصبحت الإطار الناظم للسياسة ذاتها. فالأمن، وفق هذا المنطق، يُعاد تعريفه باعتباره نتيجة مباشرة للتفوق العسكري، ما يدفع نحو محاولة إلغاء مصادر التهديد بدل إدارتها. هذا التحول من “إدارة الصراع” إلى “محاولة حسمه بالكامل” يعكس انتقالًا من عقلية التوازن إلى عقلية الإلغاء، وهو انتقال يحمل في طياته مخاطر استراتيجية تتجاوز نتائجه المباشرة.
وعند مقارنة هذه المقاربة بما طرحه شيمشوني، يتضح أن الخلاف لا يدور حول أهمية القوة، بل حول حدودها ووظيفتها. فبينما يرى شيمشوني أن الصراعات المعقدة لا تُحسم بل تُدار، وأن الإفراط في استخدام القوة يدفع الخصوم إلى إعادة التكيّف بطرق أكثر انتشارًا، تفترض المقاربة الحالية أن تراكم الضربات يمكن أن يُنتج واقعًا جديدًا يُقيد قدرة الخصم على إعادة التموضع. إلا أن الوقائع الميدانية تشير إلى أن الضغط العسكري لا يُنهي التهديد بقدر ما يدفعه إلى التحول، بحيث ينتقل من المواجهة المباشرة إلى أنماط أكثر مرونة وانتشارًا، وهو ما يفسر اتساع رقعة الصراع بدل انحسارها.
هذا الاتساع لا يعكس مجرد تصعيد كمي في العمليات، بل تحولًا نوعيًا في طبيعة الحرب نفسها، حيث لم تعد الجغرافيا التقليدية هي التي تحدد مسارها، بل شبكة مترابطة من الفاعلين والساحات. فالضغط في نقطة معينة يولّد استجابات في نقاط أخرى، ما يجعل الصراع أشبه بمنظومة ديناميكية يعاد تشكيلها باستمرار. وفي هذا السياق، يصبح من الصعب الحديث عن “نهاية” تقليدية للحرب، بقدر ما نتحدث عن انتقالها من شكل إلى آخر.
كما أن هذا النهج يرتبط بأهداف تتجاوز البعد الأمني المباشر، إذ يفتح المجال أمام إعادة تشكيل البيئة الإقليمية وفرض وقائع سياسية جديدة، مستفيدًا من حالة السيولة التي تفرضها الحرب. فإضعاف الخصوم لا يقتصر على تقليص قدراتهم العسكرية، بل يمتد إلى إعادة رسم قواعد الاشتباك بما يمنح إسرائيل هامش حركة أوسع، حتى وإن جاء ذلك على حساب استقرار أوسع للمنطقة.
غير أن الصورة تكتمل فقط عند إدخال البعد الأميركي، حيث تتبنى الولايات المتحدة مقاربة مختلفة تقوم على مزيج من الضغط والاحتواء، بحيث تُستخدم القوة كوسيلة لضبط التوازنات لا لكسرها بالكامل. هذا الفارق يعكس اختلافًا جوهريًا في تعريف الهدف النهائي: فبينما تميل المقاربة الإسرائيلية الحالية إلى البحث عن حسم يعيد تشكيل قواعد اللعبة، تسعى المقاربة الأميركية إلى منع الانفلات الكامل والحفاظ على مستوى من الاستقرار يسمح بإدارة المصالح على المدى الطويل، حتى لو بقيت مصادر التهديد قائمة.
أما إيران، فتتحرك ضمن عقيدة ثالثة تقوم على امتصاص الضربات وإعادة توزيعها عبر شبكة من الأدوات غير المباشرة، بما يسمح لها بالحفاظ على قدرتها على التأثير دون الانجرار إلى مواجهة شاملة. هذه المقاربة لا تسعى إلى الحسم، بل إلى إطالة أمد الصراع ضمن حدود يمكن التحكم بها، مستفيدة من الطبيعة الشبكية للصراع ذاته.
في ضوء هذا التباين بين العقائد الثلاث، تبدو نهاية هذه الحرب بعيدة عن أي صيغة تقليدية للحسم. فالسيناريو الأكثر ترجيحًا يتمثل في احتواء هشّ يعيد ضبط قواعد الاشتباك دون أن يعالج جذور الصراع، وهو ما يتماشى مع المقاربة الأميركية. وفي المقابل، يبقى خطر الانزلاق نحو مواجهة أوسع قائمًا، خاصة إذا استمرت محاولات فرض الحسم بالقوة دون إدراك لحدودها. أما السيناريو الثالث، والأكثر واقعية على المدى المتوسط، فهو ترسّخ نمط من “الحرب المستمرة منخفضة الوتيرة”، حيث تتقاطع العقائد الثلاث دون أن تنتصر إحداها بشكل كامل، لتنتج حالة من التوازن غير المستقر، يصبح فيها الاستقرار المؤقت هو الحد الأقصى الممكن، فيما تتراجع فرص الوصول إلى تسوية شاملة، وتتحول الحرب من حدث طارئ إلى حالة دائمة تُعاد إدارتها بدل إنهائها.