حين تربح المعارك… وتخسر الحروب!
حلمي الأسمر
31-03-2026 09:01 AM
لم تعد الهزيمة في عصرنا تُقاس بعدد الدبابات المحترقة، ولا بعدد الطائرات التي سقطت…
بل تُقاس بشيء أكثر خطورة: العجز عن إنهاء الحرب.
حين قال إيهود باراك إن الولايات المتحدة لم تحقق انتصارًا حقيقيًا منذ ستين عامًا، كان يختصر مأساة القوة الحديثة:
يمكنك أن تسحق خصمك عسكريًا… لكنك تعجز عن كسر إرادته.
في غزة، تقدم إسرائيل النموذج الأكثر وضوحًا لهذه المفارقة القاتلة:
نار كثيفة، دمار هائل، سيطرة ميدانية متقطعة…
لكن دون حسم.
تدخل الأحياء… ثم تعود إليها من جديد.
تعلن “تفكيك” المقاومة… فتتفاجأ بأنها تُعيد إنتاج نفسها من تحت الركام.
هناك، في المساحة الأكثر حصارًا على وجه الأرض، تتكشف الحقيقة القاسية:
يمكنك أن تربح كل معركة… وتخسر الحرب كلها.
وفي أوكرانيا، يتكرر المشهد بصيغة دولية أوسع.
حلف شمال الأطلسي يضخ السلاح، يدير المعركة عن بُعد، ويمنع الانهيار…
لكنه عاجز عن فرض نهاية.
روسيا لم تُهزم، وأوكرانيا لم تنتصر، والحرب تحولت إلى طاحونة استنزاف مفتوحة، تأكل الوقت والاقتصاد والإرادة.
أما في المواجهة المتصاعدة مع إيران، فإن الصورة تزداد وضوحًا وخطورة معًا:
أمريكا تضرب… لكنها لا تحسم.
إسرائيل تصعّد… لكنها لا تُنهي.
وإيران تمتص، وترد، وتطيل أمد المعركة، كمن يعرف أن الزمن صار سلاحه الأقوى.
هنا يتغير تعريف القوة بالكامل:
لم يعد الأقوى هو من يملك القدرة على التدمير…
بل من يملك القدرة على الصمود.
العالم يدخل مرحلة جديدة، لا تسقط فيها القوى العظمى بضربة واحدة، بل تتآكل تدريجيًا، كلما دخلت حربًا لا تعرف كيف تخرج منها.
وهذا هو جوهر الأزمة الأمريكية اليوم:
تفوق عسكري مطلق… وعجز استراتيجي عميق.
إسرائيل تعيش النسخة المصغّرة من هذه الأزمة في غزة.
والناتو يعيشها بصيغة جماعية في أوكرانيا.
وأمريكا تواجهها الآن في أكثر من جبهة، في وقت واحد.
إنها لحظة تاريخية فاصلة:
حين تصبح المعركة سهلة… والحرب مستحيلة.
وحين يتحول الانتصار التكتيكي إلى فخ،
يبتلع في داخله كل معنى للنصر.
في الختام... الإمبراطوريات لا تسقط حين تُهزم…
بل تسقط حين تفقد معنى الانتصار.
حين تصبح كل معركة انتصارًا مؤقتًا،
وكل حرب طريقًا بلا نهاية،
يتحوّل التفوق إلى عبء،
والقوة إلى سؤال وجودي.
في تلك اللحظة، لا يعود التاريخ يُكتب بالسلاح…
بل بالإرادة.
ولا يعود السؤال: من الأقوى؟
بل: من يصمد أكثر… ومن يملك المعنى.