"الأردن أولاً" .. رؤية ملكية وطنية في وجدان المجتمع المحافظ
د. بركات النمر العبادي
31-03-2026 04:04 PM
في زمن تتكاثر فيه الشعارات وتفقد كثيرٌ منها معناها تحت وطأة التكرار، يظل شعار “الأردن أولاً” حالة خاصةى ، لأنه لم يولد من فراغى، ولم يُطرح بوصفه أداة خطابية عابرة ، بل جاء باعتباره رؤية ملكية وطنية تعكس فهماً عميقاً لطبيعة الدولة الأردنية، وتركيبها الاجتماعي، وتحدياتها في محيط إقليمي مضطرب.
هذا الشعار، في جوهره ، ليس مجرد دعوة لتقديم مصلحة الوطن ، بل هو إعادة صياغة للعلاقة بين المواطن والدولة ، وفق منظور يجعل من الأردن مركز الأولويات ، ومن استقراره أساساً لكل انفتاح أو امتداد. ومن هنا، فإن كونه رؤية ملكية يمنحه بعداً استراتيجيا ً، يتجاوز اللحظة ، ويؤسس لنهج طويل الأمد يقوم على ترسيخ الهوية الوطنية الاردنية .
في السياق المحافظ الأردني، تكتسب هذه الرؤية عمقاً إضافياً، لأنها تتقاطع مع منظومة قيم راسخة تقوم على الولاء والانتماء والاستمرارية. فالفكر المحافظ لا يرى في الدولة كياناً طارئاً، بل امتداداً طبيعياً للجماعة، وضامناً لتماسكها. لذلك، فإن “الأردن أولاً” لا يفرض نفسه على هذا الوعي، بل ينسجم معه، ويعيد توجيهه من الانتماءات الضيقة إلى أفق وطني أشمل، دون أن يلغي جذوره الثقافية والاجتماعية.
وإذا كانت الرؤية الملكية تسعى إلى بناء دولة حديثة قوية، فإنها في الوقت ذاته تدرك خصوصية المجتمع الأردني، حيث تلعب البنى التقليدية، كالعشيرة، دوراً مهماً في تشكيل الوعي الاجتماعي. ومن هنا، يأتي الشعار ليؤكد أن هذه البنى ليست نقيضاً للدولة، بل يمكن أن تكون جزءاً من قوتها، ما دامت تتحرك ضمن إطار وطني يجعل من الأردن المرجعية العليا.
إن “الأردن أولاً” بوصفه رؤية ملكية وطنية، يحمل في طياته بعداً أخلاقياً واضحاً، يعيد تعريف المواطنة على أساس المسؤولية لا الامتياز فقط. فالمواطن، في هذا التصور، ليس مجرد حامل لحقوق، بل شريك في صون الدولة، وحارس لقيمها، ومسؤول عن استقرارها. وهنا يلتقي البعد السياسي مع البعد القيمي، ليشكلا معاً أساساً لوعي وطني ناضج.
كما أن هذه الرؤية تمثل نوعاً من العقلانية السياسية، التي تدعو إلى ترتيب الأولويات في عالم تتشابك فيه المصالح والتحديات. فهي لا تنكر الانتماءات العربية أو الإنسانية، لكنها تؤكد أن قوة أي انتماء خارجي تبدأ من متانة الداخل. فالأردن القوي هو القادر على الحضور، لا الأردن الذي يستهلك ذاته في صراعات لا تخدم مصالحه.
في المحصلة، لا يمكن فهم “الأردن أولاً” إلا بوصفه أكثر من شعار؛ إنه تعبير عن رؤية ملكية وطنية تسعى إلى بناء إنسان أردني واعٍ، يدرك أن انتماءه الحقيقي لا يُقاس بالشعارات، بل بالمواقف، ولا يُثبت بالكلام، بل بالفعل. وحين تتحول هذه الرؤية إلى سلوك يومي، يصبح الشعار ثقافة، وتصبح الدولة فكرة حية في وجدان أبنائها.
حمى الله الاردن من كل كريهة
* حزب المحافظين الاردني - مساعد الامين العام للتثقيف الحزبي