قمة جدة الثلاثية: محاولة إنقاذ الإقليم قبل الانفجار الكبير
صالح الشرّاب العبادي
31-03-2026 04:30 PM
في لحظة إقليمية تتكثف فيها احتمالات الانفجار، جاءت القمة الثلاثية في جدة، التي جمعت جلالة الملك عبدالله الثاني بن الحسين، وسمو الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وسمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، كإشارة سياسية لا يمكن التعامل معها بوصفها لقاءً عابرًا، بل كتحرك محسوب يعكس إدراكًا عربيًا متقدمًا بأن المنطقة دخلت مرحلة جديدة؛ لم تعد فيها الأزمات قابلة للاحتواء عبر الأدوات التقليدية، ولم يعد التصعيد مجرد احتمالية، بل مسارًا قائمًا يتسارع وينذر بخطر محدق على الإقليم.
هذه القمة تعكس تحولًا نوعيًا في التفكير السياسي العربي، حيث لم تعد الدول المركزية في الإقليم تكتفي بردود الفعل أو التموضع المحايد، بل تسعى إلى إعادة الإمساك بزمام المبادرة عبر محاولة رسم مسار تهدئة يحدّ من الانزلاق نحو مواجهة واسعة قد تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية للمنطقة بكلفة باهظة. إن الحديث عن خفض التصعيد هنا لا يأتي من باب الرغبة في التهدئة فحسب، بل من قراءة دقيقة لمآلات الصراع، حيث إن أي انفجار واسع لن يكون محدودًا جغرافيًا أو زمنيًا، بل سيفتح سلسلة من التفاعلات المتشابكة التي قد يصعب احتواؤها لاحقًا.
في هذا السياق، يكتسب التركيز على الأبعاد الاقتصادية للحرب دلالة عميقة، إذ لم تعد المعارك تُخاض فقط على خطوط النار، بل باتت تمتد إلى عمق الاقتصاد؛ حيث تتأثر أسواق الطاقة، وتُربك سلاسل الإمداد، وتتزايد الضغوط على الموازنات الوطنية، مما يؤثر بشكل مباشر على معيشة المواطنين، وتُعاد صياغة أولويات الإنفاق والاستثمار. إن إدراك عمّان والرياض والدوحة لهذه الحقيقة يعكس انتقالًا من فهم تقليدي للأمن إلى مفهوم أكثر شمولًا، حيث يصبح الاستقرار الاقتصادي جزءًا لا يتجزأ من معادلة الأمن القومي، بل وربما أحد أهم أدواته في هذه المرحلة.
كما أن الإشارة إلى التنسيق مع الشركاء الدوليين تحمل في طياتها رسالة سياسية واضحة، مفادها أن الدول العربية المعنية لم تعد تقبل بأن تكون مجرد ساحة لتقاطع المصالح الدولية، بل تسعى لأن تكون طرفًا فاعلًا في صياغة التوازنات، وقادرة على التأثير في مسارات الحل، لا الاكتفاء بتلقي نتائجها. هذا التوجه، إذا ما تم البناء عليه، قد يفتح الباب أمام إعادة تموضع عربي أوسع في النظام الإقليمي، خاصة في ظل حالة السيولة التي يشهدها النظام الدولي وتراجع وضوح الأطر التقليدية للتحالفات.
القمة في جوهرها تمثل تشكيل نواة تكتل عربي يعمل على احتواء التوتر، ليس عبر المواجهة، بل من خلال إدارة التوازنات الدقيقة بين القوى المتصارعة، وهي مهمة معقدة تتطلب قدرًا عاليًا من التنسيق والقدرة على المناورة السياسية والاقتصادية في آن واحد. فالتحدي لا يكمن في تشخيص الخطر، بل في القدرة على التأثير في مساره، وهو ما يمهد لأن تكون القمة بداية لمسار عربي جديد، وليس مجرد محطة أخرى في سياق إدارة الأزمات دون القدرة على تغيير مآلاتها.
وفي ظل هذا المشهد المعقد، تبدو القمة محاولة أخيرة لإعادة ضبط الإيقاع قبل أن يتسارع الانفجار، حيث تدرك هذه الدول أن كلفة الانتظار قد تكون أعلى بكثير من كلفة التحرك، وأن الفراغ في لحظات التحول الكبرى لا يبقى طويلًا، بل يُملأ سريعًا من قبل قوى أخرى قد لا تأخذ المصالح العربية بعين الاعتبار. ومن هنا، فإن أهمية هذه القمة لا تكمن فقط في ما صدر عنها من مواقف، بل في توقيتها، وفي الرسالة التي تحملها، وفي قدرتها المحتملة على أن تكون نقطة بداية لمسار مختلف يعيد للعرب دورهم في لحظة هم بأمسّ الحاجة فيها إلى أن يكونوا فاعلين ومؤثرين، خاصة في ظل حرب تلقي بظلالها الثقيلة على أوطانهم وشعوبهم، التي باتت مهددة بأن تتحول إلى ساحات صراع مفتوحة.
أما على مستوى المآلات، فإن الرهان الحقيقي لا يكمن في انعقاد القمة بحد ذاته، بل في ما بعدها. إذ يتطلب هذا التوافق السياسي ترجمة عملية إلى أدوات تأثير حقيقية على الأرض، تُعيد صياغة موازين القوة وتمنح القرار العربي وزنًا فعليًا في معادلات الصراع. ورغم تعقيدات المشهدين الإقليمي والدولي، فإن امتلاك هذه الدول لمقومات القوة السياسية والاقتصادية يمنحها فرصة تاريخية للانتقال من موقع رد الفعل إلى موقع الفعل.
إن المطلوب اليوم ليس مجرد استمرار التنسيق، بل الارتقاء به إلى مستوى مشروع عربي منظم، يتسع ليشمل دولًا عربية أخرى، بما يعزز صلابة الموقف الجماعي ويمنحه قدرة أكبر على التأثير. مشروع يقوم على مراكمة القوة، وتوحيد المصالح، وإدارة الصراع بندّية مع المشاريع الإقليمية الأخرى، وفي مقدمتها المشروعان الإيراني والإسرائيلي.
وعليه، فإن هذه القمة يمكن أن تشكل، إذا ما أُحسن البناء عليها، باكورة مشروع عربي جديد لا يكتفي باحتواء تداعيات الحرب، بل يسعى إلى إعادة تعريف الدور العربي في الإقليم، على أسس القوة والمبادرة والاستقلال في القرار، مستفيدًا من دروس هذه المرحلة وتداعياتها، ليس فقط لوقف الحرب، بل لمنع تكرارها وصياغة مستقبل أكثر توازنًا واستقرارًا.