إعادة رسم الخريطة الاقتصادية في الشرق الأوسط: كيف تعيد الحرب توزيع الاقتصاد؟
د. حمد الكساسبة
31-03-2026 04:32 PM
إن ما يجري في الشرق الأوسط ليس مجرد صراع عسكري محدود، بل أصبح عاملًا مؤثرًا في تشكيل الاقتصاد في المنطقة. ومع استمرار التوتر، بدأت ملامح تغير اقتصادي تدريجي تظهر، ليس بشكل مفاجئ، بل كاستجابة طبيعية لبيئة غير مستقرة تتطلب التكيف المستمر.
وفي هذا السياق، يبرز تساؤل أساسي حول كيفية تغير موقع كل دولة اقتصاديًا في ظل هذه الحرب. فالأزمات الطويلة لا توقف الاقتصاد، لكنها تدفعه إلى إعادة التموضع، بحيث ينتقل النشاط نحو البيئات الأكثر قدرة على التعامل مع المخاطر وتوفير قدر من الوضوح.
وانطلاقًا من ذلك، يظهر فرق واضح بين دول المنطقة. فبعضها يحافظ على مستوى مقبول من النشاط الاقتصادي بفضل استقراره النسبي، في حين تواجه دول أخرى تراجعًا مع ارتفاع المخاطر. وفي مثل هذه الظروف، لا يقاس النجاح بالتوسع، بل بالقدرة على الاستمرار.
كما ينعكس هذا الواقع على سلوك الشركات، حيث أصبح التركيز أكبر على تقليل المخاطر إلى جانب الكلفة. ولهذا، بدأت الشركات بتوزيع عملياتها على أكثر من موقع، وأصبح القرار الاقتصادي قائمًا على مزيج من الكلفة والأمان واستمرارية العمل.
وفي الوقت نفسه، تتغير طبيعة المنافسة بين الدول، فلم تعد تقتصر على الحوافز، بل تشمل القدرة على تقليل عدم اليقين. كما أصبح وضوح الإجراءات وسرعة التنفيذ عاملين أساسيين للحفاظ على النشاط الاقتصادي، في حين تكتسب سرعة القرار أهميتها، حيث تستطيع الدول التي تتحرك مبكرًا تثبيت موقعها، بينما تتأخر أخرى في التكيف مع التغيرات.
ويشهد النشاط الاقتصادي في المنطقة إعادة توزيع تدريجية، حيث بدأت سلاسل الإمداد بالتحرك، وظهرت أنماط جديدة في توجيه التجارة والخدمات، كما أصبح تعدد المواقع خيارًا لتقليل المخاطر، وهو ما يعكس تحولًا واضحًا في الخريطة الاقتصادية.
وفي المقابل، لا يمكن تجاهل الكلفة الاقتصادية للحرب، حيث أدى التوتر إلى تعطّل جزئي في انسيابية التجارة وارتفاع كلف النقل والتأمين، إضافة إلى تأثر بعض الممرات التجارية والمالية، ما يدفع النشاط الاقتصادي إلى البحث عن مسارات بديلة أكثر استقرارًا.
وفي هذا السياق، قد تساهم الإجراءات التي اتخذتها الحكومة الأردنية في الحفاظ على مستوى مناسب من الاستقرار الاقتصادي ودعم استمرارية النشاط، بما يعكس قدرة على إدارة المرحلة. وفي الوقت نفسه، يمكن أن تمثل هذه الخطوات أساسًا يمكن البناء عليه من خلال الاستفادة من موقع الأردن وتعزيز دوره في الخدمات اللوجستية والتشغيلية، ودعم الأنشطة القادرة على التكيف مع هذه الظروف.
وفي المحصلة، تمر المنطقة بمرحلة إعادة ترتيب اقتصادي، وقد بدأت طريقة عمل الاقتصاد تتغير، وهو ما سيؤثر على مواقع الدول في المرحلة المقبلة. وفي مثل هذه الظروف، يكافئ الاقتصاد من يعيد تعريف دوره في الوقت المناسب.