"التعليم الإضافي" نهاية "الاستثناء" وبداية "الإصلاح"
فيصل تايه
02-04-2026 09:24 AM
في ضوء التصريحات الأخيرة التي أدلى بها وزير التربية والتعليم الدكتور عزمي محافظة حول دراسة إلغاء نظام التعليم الإضافي خلال السنوات الثلاث إلى الأربع المقبلة، يتجدد النقاش حول واحدة من أكثر القضايا تعقيداً في بنية النظام التعليمي .
هذا التوجه، رغم أهميته، ينبغي النظر إليه باعتباره مدخلاً لإعادة تقييم عميقة لكيفية إدارة الموارد البشرية التعليمية، وللتحول من معالجة الأعراض إلى معالجة جذور الخلل، وبما ينسجم مع التوجهات التشريعية الحديثة ومأسسة مهنة التعليم .
انه وفي خضم النقاشات الدائرة حول توجهات إصلاح النظام التعليمي، يبرز ملف “التعليم الإضافي” ، اذ لا يمكن اعتباره مجرد أداة طارئة ، بل بوصفه أحد أكثر الملفات حساسية وتعقيداً، ذلك لأنه تحول عبر السنوات إلى أداة تشغيل شبه دائمة لسد اختلالات بنيوية في المنظومة التعليمية ، بل في كثير من الأحيان نمطاً موازياً للتشغيل، وهو ما يستدعي وقفة وطنية مسؤولة تعيد ضبط هذا المسار بما يحقق العدالة والاستقرار وجودة المخرجات التعليمية المستدامة.
ومن هنا، فإن أي حديث عن إلغائه أو تقليصه ينبغي أن يقرأ كقرار استراتيجي يمس جوهر جودة التعليم واستقراره الأكاديمي ، فقد نشأ التعليم الإضافي في الأصل كحل مؤقت ومرن لمعالجة حالات طارئة، كغياب المعلم لسبب صحي، أو إجازات الأمومة، أو الظروف القهرية التي تستدعي بديلاً سريعاً يضمن استمرارية العملية التعليمية دون انقطاع يؤثر على سير المناهج.
وفي هذا الإطار، لا يمكن لأي نظام تعليمي في العالم أن يستغني عن هذا الشكل من أشكال التوظيف المؤقت "المنضبط"، لأنه يمثل صمام أمان يحول دون تعطل تعلم الطلبة ، غير أن الإشكالية الحقيقية لم تعد في هذا الاستخدام المشروع، بل في تحول التعليم الإضافي إلى بديل دائم لسد النقص في الشواغر، وهو ما أفرز آثاراً عميقة على جودة التعليم ومهنية العمل التربوي وتراكم الفاقد التعليمي .
بذلك فإن الاعتماد المفرط على التعليم الإضافي بوصفه حلاً للنقص يكشف عن خلل في التخطيط الاستراتيجي للموارد البشرية ، فعندما يصبح النظام معتمداً على معلمين غير مستقرين وظيفياً، فإن ذلك ينعكس مباشرة على استقرار البيئة الصفية، وعلى قدرة المعلم على بناء علاقة تربوية طويلة الأمد مع الطلبة، وعلى التزامه بتطوير أدائه المهني.
فالمعلم المؤقت، مهما بلغت كفاءته، يعمل ضمن أفق زمني محدود، وغالباً دون انخراط كامل في ثقافة المدرسة، وهو ما يحد من قدرته على الإسهام في بناء تجربة تعليمية متكاملة ، كما أن هذا النمط من التشغيل يخلق حالة من التفاوت في جودة التعليم داخل المدرسة الواحدة، حيث يتلقى الطلبة خبرات تعليمية غير متكافئة، تبعاً لطبيعة المعلم وظروف تعيينه ، وهذا بدوره يضعف مبدأ العدالة التعليمية، ويؤثر على مخرجات التعلم، خاصة في المراحل الأساسية التي تتطلب استقراراً عالياً في العملية التعليمية .
وفي المقابل، فإن التوجه نحو تقليص الاعتماد على التعليم الإضافي يمثل خطوة في الاتجاه الصحيح، لكنه يحمل في طياته تحدياً أكبر، يتمثل في القدرة على بناء بديل مستدام يضمن الاستثمار الحقيقي في رأس المال البشري.
فالإلغاء غير المدروس قد يؤدي إلى نتائج عكسية، كزيادة العبء على المعلمين، أو ترك فجوات في الحصص الدراسية، أو اللجوء إلى حلول غير منظمة ، ومن هنا، فإن جوهر القضية لا يكمن في “إلغاء” التعليم الإضافي، بل في “إعادة تعريفه” وضبط استخدامه ضمن إطار مهني واضح يتماشى مع رؤية التحديث الإداري .
إن التمييز بين نوعين من التعليم الإضافي يمثل نقطة الانطلاق لأي إصلاح حقيقي ، الأول هو التعليم الإضافي كبديل طارئ ومؤقت، وهذا يجب الإبقاء عليه وتنظيمه، لأنه ضرورة وظيفية تضمن استمرارية التعليم في الحالات الاستثنائية ، أما الثاني، وهو الأخطر، فهو التعليم الإضافي كبديل عن التعيين، وهو النمط الذي يجب معالجته جذرياً، لأنه يعكس خللاً في التخطيط ويؤثر سلباً على جودة التعليم واستقراره.
ولكي يكون هذا التحول منصفاً وفعالاً، لا بد من تبني مقاربة مرحلية تقوم على التوسع المدروس في التعيينات الدائمة وفق احتياجات فعلية مبنية على بيانات دقيقة، وتحسين آليات توزيع المعلمين بما يحقق العدالة بين المدارس، إضافة إلى تطوير سياسات استشراف العجز قبل حدوثه، بدلاً من التعامل معه بعد وقوعه ، كما أن الاستثمار في إعداد المعلم وتأهيله يجب أن يسير بالتوازي مع أي عملية تعيين، لأن جودة التعليم لا تتحقق بعدد المعلمين فقط، بل بكفاءتهم واستقرارهم المهني والوظيفي .
ولا يقل أهمية عن ذلك ضرورة بناء إطار تنظيمي واضح للتعليم الإضافي يحدد شروط استخدامه ومدته وأهدافه، بحيث يبقى أداة استثنائية لا قاعدة تشغيلية، كما وينبغي ربطه بنظام متابعة وتقييم يضمن عدم تحوله مجدداً إلى بديل دائم تحت ضغط الحاجة، مع وضع آليات عملية لضمان التطبيق الفعلي على الأرض.
إن معالجة ملف التعليم الإضافي اختبار حقيقي لقدرة النظام التعليمي على الانتقال من منطق “إدارة النقص” إلى منطق “التخطيط الاستراتيجي” ، وهو أيضاً فرصة لإعادة الاعتبار للمعلم بوصفه حجر الزاوية في أي إصلاح، وللمدرسة بوصفها بيئة مستقرة قادرة على إنتاج تعلم ذي جودة عالية.
وأخيراً ، فإن الإنصاف في هذا الملف لا يتحقق بإلغاء مطلق ولا بإبقاء مطلق، بل بتحقيق توازن دقيق بين المرونة والاستقرار، وبين الحاجة الآنية والرؤية بعيدة المدى ، وعندما يُدار هذا التوازن بحكمة، يمكن أن يتحول هذا التحدي إلى نقطة انطلاق نحو نظام تعليمي أكثر كفاءة وعدالة، قادر على تقديم تعليم نوعي يليق بطموحات الدولة وأبنائها، ومن هنا فإن اعتماد هذه المعايير ضمن خطة تنفيذية مرحلية هو الضمان لتحقيق الأثر المطلوب على جودة التعليم ومخرجاته.