ترامب بين حصانة القوة واحتمالات السقوط: من يحكم القرار الأمريكي؟
د.عبدالله القضاة
07-04-2026 08:35 AM
في مطلع هذا العام 2026، يجد الرئيس السابع والأربعون للولايات المتحدة، دونالد ترامب، نفسه في قلب عاصفة سياسية ودستورية غير مسبوقة منذ عودته إلى البيت الأبيض. فبينما تقرع طبول الحرب في الشرق الأوسط وتتصاعد التوترات التجارية مع الحلفاء والخصوم على حد سواء، يبرز تساؤل جوهري يشغل الرأي العام الأمريكي والدولي: هل ينجح ترامب في تجاوز “فخ” الولاية الثانية وتغيير القواعد الدستورية للبقاء في السلطة، أم أن الأزمات المتلاحقة ستعصف بطموحاته السياسية وتفتح الباب أمام مساءلة قانونية قد تنهي عهده؟
المعركة الدستورية: التي تشهدها الولايات المتحدة، تتمثل في العزل وجدل "الولاية الثالثة"باتت تهدد الجمهورية، فلم يعد الحديث عن عزل الرئيس ترامب مجرد شعار انتخابي للمعارضة، بل تحول إلى إجراءات فعلية داخل أروقة الكونجرس الحالي. ففي ظل تقديم قرارات عزل تتهمه بـ “الخروج عن المسار الدستوري” و“تجاوز صلاحيات السلطة التنفيذية”، يواجه ترامب ضغوطاً متزايدة، وإن كانت موازين القوى في مجلس الشيوخ لا تزال تشكل حائط صد منيعاً حتى الآن.
إلا أن الجدل الأكثر إثارة للقلق في هذه الفترة، هو ما يطرحه حلفاء الرئيس حول “الولاية الثالثة”. فمع تقديم مقترحات تشريعية تهدف لإلغاء التعديل الثاني والعشرين الذي يحدد الولايات الرئاسية، دخلت أمريكا في سجال قانوني حول شرعية بقاء الرئيس في السلطة بعد عام. 2028 المحكمة العليا، بتركيبتها الحالية، باتت الساحة التي سيتقرر فيها مصير “الجمهورية”، خاصة مع تزايد التوقعات بأن ترامب قد يبحث عن “ثغرات قانونية” للبقاء، متذرعاً بظروف الحرب والأزمات القومية.
على الصعيد الدولي، يواجه ترامب انتقادات لاذعة بسبب ما يوصف بـ “الحروب العبثية” التي استنزفت الموارد الأمريكية. الحرب على إيران؛ التي بدأت بضربات جوية في آذار 2026، لا تزال تثير انقساماً حاداً في الشارع الأمريكي. تظهر استطلاعات الرأي أن أكثر من 50% من الناخبين يعارضون التدخل العسكري المباشر، بينما يرفض غالبية الديمقراطيين والمستقلين أي تورط لجنود أمريكيين على الأرض الإيرانية. كما أدت سياسة التعريفات الجمركية لعام 2026 إلى زيادة متوسط الأعباء الضريبية على الأسر الأمريكية بمقدار 700 دولار سنوياً. هذه السياسات لم تكتفِ بتوتير العلاقات مع الصين والمكسيك، بل أثارت استياءً واسعاً في الولايات المتأرجحة التي بدأت تشعر بوطأة التضخم وارتفاع الأسعار.
ومع إقتراب الانتخابات النصفية لعام 2026، يظهر الناخب الأمريكي كعنصر حاسم في كبح جماح السلطة التنفيذية. حيث تتراجع شعبية ترامب، وفقا لما تشير إليه أحدث استطلاعات الرأي إلى تراجع نسبة تأييده إلى حوالي 33%، مع فقدان جزء من قاعدة ناخبيه الذين باتوا يشعرون بخيبة أمل من السياسات الاقتصادية والتدخلات العسكرية.
كما تظهر استطلاعات الاقتراع العام للكونجرس تقدماً للديمقراطيين بمتوسط 8 نقاط، مما يعزز احتمالية استعادة المعارضة للسيطرة على غرفتي الكونجرس في تشرين الثاني القادم، وهو ما قد يعني تفعيل إجراءات العزل بشكل أكثر جدية.
والتساؤل هنا: ماهو مستقبل "الترامبية"في ظل الرئاسة الحالية؟ اليوم لم تعد " الترامبية" مجرد تيار سياسي، بل أصبحت نموذجاً لحكم يتسم بالمركزية الشديدة والصدام المستمر مع “الدولة العميقة” والمؤسسات الدستورية. الإضافة الاستراتيجية هنا تكمن في أن نجاح أو فشل ترامب في تجاوز الأزمة الحالية سيحدد شكل النظام السياسي الأمريكي للعقود القادمة: إما الانتقال نحو نظام رئاسي بصلاحيات مطلقة يتجاوز الضوابط والموازين التقليدية، أو حدوث تصحيح دستوري عنيف يعيد التأكيد على مبدأ تداول السلطة واستقلالية المؤسسات.
وفي الختام، يقف دونالد ترامب اليوم أمام اختبار تاريخي، يشكل اللحظة الفارقة التي تحدد مصير أمريكا، فبينما يسعى لتعزيز قبضته على السلطة وتغيير القواعد الدستورية، يواجه مقاومة متصاعدة من الناخبين والكونجرس وحتى بعض أجنحة القضاء. إن الأيام القادمة لن تحدد فقط مستقبل ترامب السياسي، بل ستحدد جوهر الديمقراطية الأمريكية في قرنها الثالث. فهل ستكون هذه الرئاسة هي جسر العبور نحو "جمهورية جديدة"، أم أنها ستكون الفصل الأخير في تجربة ديمقراطية بدأت تفقد توازنها؟
* كاتب سياسي مستقل