"الرواية العربية .. النقد الأدبي وإشكالية البدايات" مقاربة تفكك مفهوم البداية
07-04-2026 01:41 PM
عمون - على إيقاع عصر تتسارع فيه التحولات الثقافية وتتداخل عبره الأجناس الأدبية، يأتي كتاب "الرواية العربية: النقد الأدبي وإشكالية البدايات"، للباحث المغربي صدوق نور الدين، ليعيد طرح السؤال الذي طالما شغل النقاد والدارسين، وهو: كيف وُلدت الرواية العربية، وما هي بداياتها، وما شروطها الثقافية؟
ولا يكتفي الكتاب الصادر عن "الآن ناشرون وموزعون" في الأردن (2025)، بسرد تاريخي لنشأة الرواية، بل يقدّم مقاربة نقدية عميقة تحاول تفكيك مفهوم "البداية"، بوصفه من المفاهيم الإشكالية التي لا يمكن اختزالها بتاريخ محدد أو عمل بعينه.
يتكون الكتاب من مقدمة وثلاثة فصول هي: "في ضرورة الرواية ووعي التحول والتأثير"، و"تلقي رواية (زينب) في النقد الأدبي الحديث"، و"من الرواية إلى الرواية". وفيها يتوقف الباحث عند محطة مفصلية في تاريخ السرد العربي، وهي رواية "زينب" لمحمد حسين هيكل والتي صدرت في العام 1914، معتبراً إياها لحظة مزدوجة؛ نهاية لمرحلة وبداية لمرحلة أخرى، فهي تمثل من جهة اكتمال شكل سردي سابق، ومن جهة أخرى تفتح أفقاً جديداً للكتابة الروائية الحديثة.
لا يتعامل صدوق مع هذه الرواية على أنها مجرد "أول رواية عربية"، بل يضعها ضمن سياق أوسع من التحولات الثقافية والاجتماعية، حيث نشأ وعي جديد بالكتابة بوصفها فعلاً إبداعياً ينفتح على الثقافات الأخرى، وهنا تتجلى الرواية بكونها تعبير عن وعي جديد بالعالم والإنسان.
يؤكد الكتاب عبر صفحاته التي قاربت المئة والعشرين أن ظهور الرواية العربية جاء نتيجة لتحولات كبرى شملت المجتمع والمعرفة واللغة، فالرواية، كما يطرحها نور الدين، هي "ابنة التحولات"، وقد نشأت لتعبّر عن إنسان يعيش في عالم سريع التغير، ومليء بالصراعات والأسئلة الوجودية، ومن هنا، يرفض الباحث النظر إلى الرواية كجنس أدبي مغلق، بل يراها جنساً مفتوحاً ومتجدداً، يتطور باستمرار، ويستجيب لتحولات الواقع، وهذا ما يجعل دراستها تقتضي دائماً تجديد الأدوات النقدية، وعدم الاكتفاء بالمقاربات التقليدية.
ولعل من أهم القضايا التي يناقشها الكتاب، علاقة الرواية العربية بالنموذج الغربي، وهنا بدلاً من طرح ثنائية "الأصالة والتقليد" بشكل مبسط، يسعى المؤلف إلى إبراز التفاعل المعقد بين الثقافات، حيث لا يمكن الحديث عن نشأة الرواية العربية بمعزل عن حركة الترجمة والانفتاح الثقافي، وإسهامات النهضة الثقافية، وتطور الصحافة، وانتشار التعليم.. والتي ساهمت في خلق بيئة مناسبة لظهور الرواية، كما لعبت الترجمة دوراً كبيراً في نقل الأشكال السردية الحديثة، وإعادة تشكيلها بما يتناسب مع السياق العربي وبما يعبر عن قضاياه وهمومه.
ويتوقف الباحث صدوق عند مفهوم "المؤسسة الأدبية"، بوصفها إطاراً حاسماً في نشأة الرواية؛ فالأدب لا ينشأ في فراغ، بل داخل منظومة من القيم والتقاليد والآليات التي تنظّم إنتاجه وتلقيه، مشيراً إلى أن صعود الرواية ارتبط بتشكل هذه المؤسسة التي شملت دور النشر والصحافة والنقد الأدبي والتعليم مما ساهم في ترسيخ الرواية كجنس أدبي واضح الملامح، وهنا يبرز الباحث دور النقاد والمفكرين، ليس فقط في تحليل الرواية، بل في المساهمة في تشكيلها وتوجيهها، وهو ما يجعل النقد جزءاً من العملية الإبداعية نفسها.
يمتاز الكتاب بتنوع مراجعه ومقارباته، حيث يستند إلى أعمال عدد من النقاد البارزين مثل أحمد اليبوري، ويمنى العيد، وبطرس الحلاق، وغيرهم، مما يمنحه بعداً حوارياً يثري النقاش حول الرواية العربية، كما يستحضر نظريات الرواية الغربية، خاصة التصورات التي ترى الرواية جنساً مفتوحاً ومتعدداً، يجمع بين أشكال تعبيرية مختلفة، ويعكس تعقيد التجربة الإنسانية، وهذا التعدد في الرؤى لا يهدف إلى عرض النظريات بشكل تاريخي، بل إلى إبراز كيف تساهم هذه النظريات في فهم الرواية العربية وتفكيك بنيتها.
ويتجاوز الكتاب حدود الرواية الكلاسيكية ليمتد إلى مناقشة تحولات الرواية في عصر الحداثة وما بعدها، وصولًا إلى الرواية الرقمية، فالرواية، في نظر الباحث نور الدين، ليست مجرد شكل ثابت، بل هي كيان حي يتغير مع تغير الوسائط والتقنيات، ومن هنا يشير إلى أن النصوص الرقمية التفاعلية قد أعادت تعريف العلاقة بين الكاتب والقارئ، حيث أصبح القارئ شريكاً في إنتاج النص، لا مجرد متلقٍ له، وهذا التحول يطرح أسئلة جديدة حول مفهوم التأليف، والهوية النصية، وحدود العمل الأدبي.