facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الأردن ومعادلة المخاطر والفرص .. حين يقرأ الاستثمار الجغرافيا من جديد


د.م. أمجد عودة الشباطات
09-04-2026 10:36 AM

في لحظات الاضطراب الكبرى، لا تُعاد صياغة خرائط السياسة وحدها، بل خرائط الاستثمار أيضًا. وهنا تحديدًا، أعتقد أن الأردن يقف أمام فرصة نادرة، ليس فقط ليحافظ على صموده، بل ليعيد تعريف موقعه في الإقليم بوصفه نقطة ارتكاز آمنة وموثوقة للأعمال.

أقول ذلك من واقع تجربة في العمل مع شركات عالمية، حيث تُعدّ قاعدة “عدم وضع كل البيض في سلة واحدة” من أبجديات الإدارة، لا كشعار، بل كنهج تشغيلي يحكم توزيع الأعمال والمخاطر.

فوجود أعمال شركة ما في دولة معينة لا يعني أن يكون مركز الدعم أو المكتب الإقليمي فيها. على العكس، كثير من الشركات تبحث عن نقطة ارتكاز قريبة، آمنة ومرنة، يمكن الاعتماد عليها إذا تعثرت الجغرافيا من حولها. وهنا تحديدًا، يستطيع الأردن أن يقدّم نفسه بوصفه هذه النقطة.

ما تغيّر في المنطقة لم يعد مجرد توتر سياسي، بل تحوّل في طريقة قراءة الجغرافيا الاقتصادية. ففي أوقات الاستقرار تتقدم اعتبارات السوق والتكلفة، أما في أوقات الاضطراب فتتقدم أسئلة مختلفة تمامًا تتعلق بالاستمرارية، واستقرار القرار، وموثوقية المؤسسات، وقابلية التشغيل، وسلامة سلاسل الإمداد.

وهذا ليس طرحًا نظريًا. يكفي النظر إلى ما حدث في مسارات الطيران خلال فترات التصعيد، وكيف أُعيد تشكيل الممرات الجوية تحت ضغط المخاطر، ليتضح أن الأمان لم يعد عاملًا سياسيًا فقط، بل أصبح جزءًا أصيلًا من القرار الاقتصادي والتشغيلي، بما يحمله ذلك من أثر مباشر على حركة الأعمال وكلفها ومرونتها.

في بيئة كهذه، تكتسب الدول التي حافظت على تماسكها وانضباطها المؤسسي قيمة تتجاوز بكثير حجمها الاقتصادي التقليدي. والأردن لم يصل إلى هذه اللحظة صدفة، بل عبر مسار طويل من الحكمة السياسية التي قادتها القيادة الهاشمية، والإدارة المتزنة التي مكّنته من بناء شبكة علاقات وسلاسل إمداد حافظت على مستوى مقبول من الاستقرار الاستراتيجي والاقتصادي حتى في أصعب الظروف، إلى جانب قدرته على مقاومة ضغوط وتحديات إقليمية، بما في ذلك أطماع توسعية في محيط شديد التعقيد، دون أن ينزلق إلى مسارات مكلفة أو يفقد توازنه الاستراتيجي.

كما أن إدارة الأزمات لم تكن ارتجالية، بل مؤسسية؛ ويبرز هنا الدور الإيجابي للمركز الوطني للأمن وإدارة الأزمات في التنسيق والاستجابة واحتواء التداعيات، بما عزّز قدرة الدولة على التعامل مع المتغيرات بكفاءة وهدوء.

ولا يمكن في هذا السياق إغفال التحركات التي قادها جلالة الملك عبدالله الثاني خلال فترة الحرب، من حيث القدرة على التشبيك بين الدول، وطرح مقاربات متوازنة، والتحرك بمرونة سياسية عالية. وهو مسار يحتاج إلى شرح مطوّل، لكن من يقرأ المشهد بتأنٍ يستطيع أن يدرك بوضوح كيف أدار الأردن موقعه ضمن شبكة معقدة من التوازنات الإقليمية والدولية.

نعم، تأثرنا، لكن الأثر تم امتصاصه إلى حد كبير، ولم يتحول إلى خلل بنيوي أو شلل مؤسسي. وهذا ما تؤكده أيضًا التقييمات الدولية التي تشير إلى قدرة الاقتصاد الأردني على الحفاظ على الاستقرار الكلي رغم البيئة الإقليمية الصعبة، مع استمرار الثقة بالإطار الاقتصادي ومواصلة الإصلاحات.

ومن واقع خبرتي، فإن الشركات الكبرى لا تنتظر انتهاء الأزمات لإعادة التموضع، بل تتخذ قراراتها خلالها. فهي لا تنظر إلى المخاطر كتهديد فقط، بل كفرصة كامنة أيضًا. في إدارة المخاطر يوجد دائمًا وجهان للمشهد Opportunity and Threat، والفرق بين إدارة تقليدية وأخرى ذكية هو القدرة على تحويل التهديد إلى فرصة.

لهذا، لا أرى أن رأس المال جبان كما يُقال، بل أراه محسوبًا ومنهجيًا. فالشركات الكبرى تسأل دائمًا: إذا تعطلت هذه الجغرافيا، أين البديل؟ وإذا اهتز هذا المركز، أين غرفة الدعم؟ وإذا أردنا البقاء في المنطقة مع تقليل المخاطر، فأين تكون نقطة الارتكاز؟

الأردن، إذا أحسن قراءة اللحظة، يمكن أن يكون جوابًا عمليًا على هذه الأسئلة. لا عبر تقليد أي نموذج آخر، بل عبر تقديم نفسه كمركز موثوق للأمان المؤسسي والتشغيلي، قادر على استضافة المكاتب الإقليمية، ومراكز الدعم، ونقاط الإسناد للشركات العاملة في المنطقة.

لكن هذه الفرصة لن تتحول إلى استثمار فعلي من تلقاء نفسها. نحن بحاجة إلى إعداد داخلي حقيقي يبدأ بتهيئة البيئة القانونية، وتبسيط الإجراءات، وتقديم نموذج واضح ومستقر وسريع للمستثمر. كما نحتاج إلى خطاب استثماري جديد يتحدث بلغة الاستمرارية التشغيلية وإدارة المخاطر، لا بلغة الحوافز التقليدية فقط.

والأهم من ذلك، نحن بحاجة إلى التفكير خارج الصندوق فعلًا. لماذا لا نطوّر نموذجًا جديدًا، كمنطقة أو مدينة أعمال مفتوحة بحرية اقتصادية وتشغيلية واسعة، مخصصة لاستقطاب المكاتب الإقليمية، ومراكز العمليات، والدعم، للشركات الكبرى التي تبحث عن وجود آمن ومرن في قلب المنطقة؟

ما جرى في محيطنا خلال الحرب، حين كان الشرق والغرب والشمال والجنوب بدرجات متفاوتة من عدم الاستقرار، يجب أن يُقرأ اقتصاديًا، لا فقط أمنيًا. وهذه لحظة تستحق من الحكومة ودوائر القرار أن تتعامل معها كفرصة لإعادة تعريف موقع الأردن الاستثماري.

إذا أحسنّا الفهم والبناء، فإن الأردن لا ينبغي أن يكتفي بأنه نجا من الأزمات، بل يمكنه أن يربح منها استراتيجيًا. وهذه ليست انتهازية، بل حسن إدارة دولة.

الفرصة موجودة، والسؤال ليس عن توفر المقومات، بل عن الجرأة على إعادة تعريف دورنا وفق ما فرضته المرحلة. فبعض الفرص تأتي في هيئة اختبار، والدول الذكية ليست التي تصمد فقط، بل التي تحوّل صمودها إلى نقطة انطلاق موثوقة للأعمال في بيئة مضطربة.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :