facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الضمان الاجتماعي بين مطرقة الشك وسندان الإصلاح: استعادة الثقة أولًا


د. محمد بني سلامة
12-04-2026 12:58 AM

في خضم الجدل المتصاعد تحت قبة البرلمان الأردني، وفي ظل ما يوصف بـ"الأسبوع العاصف"، يبرز ملف الضمان الاجتماعي كأحد أخطر القضايا الوطنية التي تمس حاضر الأردنيين ومستقبلهم. لكن، وقبل الخوض في تفاصيل القوانين والتعديلات والمذكرات النيابية، يبقى السؤال الجوهري: هل نملك اليوم الثقة الكافية لإقناع المواطن بأن مدخراته في أيدٍ أمينة؟

الحقيقة التي لا يجوز الالتفاف حولها أن استعادة الثقة يجب أن تكون نقطة البداية، بل هي الأساس الذي يُبنى عليه أي إصلاح حقيقي. فبدون ثقة الناس، تفقد القوانين قيمتها، وتتحول النصوص إلى مجرد حبر على ورق، مهما حسنت نوايا واضعيها.

إن أموال الضمان الاجتماعي ليست ملكًا للحكومة، ولا لمجلس الأمة، ولا لأي جهة تنفيذية أو تشريعية؛ إنها ملك خالص للشعب الأردني، هي عرق جبينه وادخار سنوات عمره. وعليه، فإن أي عبث بهذه الأموال أو إدارة غير رشيدة لها، لا يمكن وصفه إلا بأنه جريمة كبرى بحق الوطن، لا تقل خطورة عن أي اعتداء على مقدرات الدولة.

من هنا، فإن الحديث عن سحب قانون الضمان الاجتماعي لا يبدو منطقيًا إذا كان البديل هو الإبقاء على اختلالات هيكلية قد تهدد استدامة الصندوق في المستقبل. فالمطلوب ليس التراجع، بل التقدم بحذر وحكمة، من خلال إقرار قانون متوازن بعد تجويده وتعديله، بما يضمن حماية حقوق المشتركين والمتقاعدين، ويعزز في الوقت ذاته قدرة المؤسسة على الاستمرار للأجيال القادمة.

لكن الحقيقة الأكثر إيلامًا أن جوهر الأزمة لا يكمن في نصوص القوانين بقدر ما يكمن في بيئة إدارية وسياسية فقدت الكثير من مصداقيتها؛ بيئة تُدار بعقلية التبرير لا المحاسبة، وبمنطق الالتفاف لا الإصلاح. لقد تراكمت الأخطاء حتى أصبحت أشبه بنمط ممنهج، وغابت الشفافية لتحل محلها أرقام يحيط بها الشك، وخطابات رسمية لم تعد تقنع أحدًا. وما يزيد المشهد قتامة هو الإصرار على إعادة إنتاج ذات الأدوات التي أوصلتنا إلى هذا المأزق، وكأن المطلوب من المواطن أن يثق مجددًا بمن خذله مرارًا. إن الاستمرار في هذا النهج ليس مجرد خلل، بل استهتار صريح بعقول الأردنيين ومستقبلهم، ويعكس غيابًا مقلقًا للإرادة الجادة في التغيير الحقيقي.

لقد أثبتت التجربة أن القوانين، مهما كانت صارمة، لا تكفي في ظل غياب الشفافية والنزاهة وسيادة القانون. ففي بيئات يسودها الفساد والاستبداد، تتحول النصوص القانونية إلى أدوات قد تُستخدم لتبرير الأخطاء بدل منعها. ومن هنا، فإن الضمان الاجتماعي ليس سوى جزء من منظومة أوسع تعاني من خلل في الحوكمة والمساءلة.

إن الإصلاح الحقيقي يبدأ من محاسبة من أوصلوا الضمان إلى هذه المرحلة. فالمساءلة ليست ترفًا، بل ضرورة لاستعادة ثقة المواطن، وإعادة الاعتبار لمؤسسات الدولة. كما أن الشفافية في عرض الأرقام والبيانات لم تعد خيارًا، بل واجبًا، خاصة في ظل تراكم الشكوك لدى المواطنين الذين لم يعودوا يثقون بسهولة في الروايات الرسمية.

إن حوكمة صندوق الضمان الاجتماعي باتت ضرورة ملحة، لا تحتمل التأجيل. حوكمة حقيقية تضمن استقلالية القرار، وتمنع أي تدخل أو عبث بمدخرات الأردنيين، وتؤسس لإدارة رشيدة قائمة على الكفاءة والمساءلة.

في النهاية، يبقى الضمان الاجتماعي ركيزة أساسية من ركائز الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي في الأردن. والتعامل معه يجب أن يكون بمستوى هذه الأهمية، بعيدًا عن التجاذبات، وقريبًا من روح المسؤولية الوطنية.

فالأردن لا يحتمل المغامرات… والثقة، مرة أخرى، هي البداية والنهاية.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :