facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




قرار الحرب والخروج منها .. قراءة في ميزان السياسة والاستراتيجية


د. عبدالحفيظ العجلوني
05-04-2026 08:21 AM

ليس أصعب على الدولة من أن تبدأ حربًا لا تعرف كيف تنهيها.

هذه الحقيقة، التي تتردد في أدبيات التفكير الاستراتيجي بصيغ متعددة، تختزل واحدة من أعقد الإشكاليات التي واجهت صُنّاع القرار عبر التاريخ. فالحرب، خلافًا لما قد يبدو في ظاهرها، ليست عملية حسابية محكمة، ولا امتدادًا بسيطًا للخلافات السياسية، بل كيان ديناميكي ينمو بعد اندلاعه، ويكتسب منطقه الخاص، وقد ينفلت من سيطرة من أطلقه.

لذلك، فإن لحظة تحريك الجيوش ليست بالضرورة لحظة قوة، بقدر ما هي لحظة اختبار: هل أعدّت الدولة نفسها لما بعد الحرب كما أعدّت لها قبلها؟

في ميزان السياسة والاستراتيجية، لا تكمن المعضلة الحقيقية في قرار الحرب ذاته، فالتاريخ يُظهر أن هذا القرار—على خطورته—يبقى متاحًا متى توفرت الإرادة السياسية أو الدوافع الأمنية أو الحسابات الأيديولوجية. لكن التحدي الأعمق يبدأ بعد ذلك: كيف تُدار الحرب؟ وما مدى قدرتها على تحقيق الأهداف المعلنة؟ وهل تمتلك الدولة، منذ البداية، تصورًا واقعيًا لنهايتها؟

لقد كشفت التجارب التاريخية عن فجوة خطيرة بين قرار الحرب ونتائجها. ففي الحرب العالمية الأولى، (1914–1918)، دخلت القوى الأوروبية الصراع وهي تتوقع حربًا خاطفة، فإذا بها تنزلق إلى حرب استنزاف طويلة أطاحت بإمبراطوريات كبرى وأعادت رسم خريطة القارة. وكذلك في حرب فيتنام، (1955–1975)، حيث تورطت الولايات المتحدة في صراع لم تستطع حسمه عسكريًا، لتنتهي الحرب بخسارة سياسية رغم التفوق العسكري.

وفي غزو العراق، (2003)، تكرر المشهد بصورة أخرى؛ إذ تحقق الهدف العسكري سريعًا بإسقاط النظام، لكن غابت الرؤية السياسية لمرحلة ما بعد الحرب، فانفتحت البلاد على فوضى ممتدة وصراعات داخلية معقدة، جعلت كلفة الحرب أعلى بكثير من عوائدها.

وفي مفارقة لافتة، تكررت التجربة ذاتها على الأرض نفسها؛ إذ خاض الاتحاد السوفيتي حربه في الحرب السوفيتية في أفغانستان، (1979–1989)، بهدف تثبيت نظام حليف، فانتهى إلى استنزاف طويل أسهم في إضعافه داخليًا. ثم عادت الولايات المتحدة لتخوض الحرب في أفغانستان، (2001–2021)، محققة نجاحًا عسكريًا سريعًا، لكنها غرقت في أطول حروبها، قبل أن تنسحب في أغسطس 2021 دون تحقيق استقرار دائم.

وتُظهر الحرب الروسية الأوكرانية، (2022–الآن)، كيف يمكن لتقديرات البداية أن تنهار أمام واقع الميدان، حين تتحول العمليات السريعة المتوقعة إلى حرب استنزاف طويلة تعيد تشكيل التوازنات الدولية.

تكشف هذه النماذج عن حقيقة مركزية في علم الاستراتيجية: الحرب ليست فعلًا عسكريًا صرفًا، بل مشروع سياسي ممتد.

وهنا تبرز أهمية ما طرحه المفكر العسكري البروسي (الألماني) كارل فون كلاوزفيتز (1780–1831)، مؤلف كتاب “عن الحرب”. فقد قدّم فيه رؤيته الشهيرة بأن الحرب هي امتداد للسياسة بوسائل أخرى، مؤكدًا الترابط العضوي بين القرار السياسي والعمل العسكري، وهو ما يوضح أن نجاح أي حرب يعتمد على توافق الأهداف السياسية مع الوسائل العسكرية، وليس على القوة الميدانية فقط.

إن أحد أبرز أخطاء صُنّاع القرار هو الاستخفاف بما يمكن تسميته “ديناميات الحرب”، أي تلك القوانين الداخلية التي تحكم تطورها بعد اندلاعها. فالحرب لا تبقى كما بدأت، بل تتغير بفعل تفاعل القوى، وتبدل مواقف الحلفاء، وضغط الرأي العام، وتقلب البيئة الدولية. وعند هذه النقطة، تتحول الحرب من أداة في يد الدولة إلى عبء تتحكم هي في مساره.

لذلك، فإن معيار النجاح لا يُقاس بحسم المعارك، بل بترجمة هذا الحسم إلى نتائج سياسية مستقرة. فكم من انتصار عسكري انتهى إلى خسارة استراتيجية، وكم من تدخل محدود تحوّل إلى استنزاف طويل أنهك الدولة وأضعف مكانتها.

إن السؤال الحاسم، الذي يجب أن يُطرح قبل إطلاق الرصاصة الأولى، هو: كيف سننهي هذه الحرب؟ وما هو شكل النصر الذي نسعى إليه؟ وهل هو قابل للتحقق ضمن الإمكانات المتاحة؟

ففي حرب أكتوبر، (1973)، كان هناك تصور سياسي واضح يربط العمل العسكري بهدف محدود يفتح الباب لمسار تفاوضي، وهو ما تحقق لاحقًا. وفي المقابل، افتقرت حروب كثيرة إلى مثل هذا التصور، فانتهت إلى تورط طويل وخسائر متراكمة.

إن الدول التي لا تملك تصورًا واضحًا لنهاية الحرب، تجد نفسها أسيرة مسار لم تختر تفاصيله بالكامل. فالدخول في الحرب قد يكون قرارًا سياديًا، أما الخروج منها فغالبًا ما يخضع لتعقيدات الواقع وتوازنات القوى.

خلاصة القول: إن امتلاك قرار الحرب لا يعني امتلاك نتائجها، والسيطرة على بدايتها لا تعني التحكم في نهايتها. وبين القرار والخاتمة يكمن الاختبار الحقيقي: ليس في القدرة على إشعال الحروب، بل في الحكمة في إدارتها، والبصيرة في إنهائها.

وباللغة المباشرة نقول: دخول الحرب ليس كالخروج منها.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :