برد السبل والخطر غير المتوقع
خلدون ذيب النعيمي
14-04-2026 12:12 AM
من موروثنا الشعبي الاردني الذي يحاكي الحقيقة طقساً وواقعاً معاش ان "برد السبل يهد الجبل" وهو هنا يُشير إلى موجة برد شديدة تأتي في شهر نيسان الحالي ترتبط بـ"السبل" (سنابل القمح والشعير) الخضراء حيث يكون البرد قاسياً جداً لدرجة أنه يُشبّه بتهديم الجبال ويُحذر منه للمزارعين لأنه يأتي عقب دفءٍ يخدع السنابل بعد انقضاء اربعينية الشتاء والسعودات ويكون اثره كارثياً عليهم ، ويماثله ايضاً التحذير من ضرر الجلوس في شمس شهر شباط طمعاً في دفئها كما جاء في مقولة العجوز التراثية بأن شمس شباط لكنتها فيما شمس آذار الأقل ضرراً لأبنتها واختصت لشيبتها شمس نيسان كونها تأتي في وقت اكثر دفء من سابقيه وتهيأت لها في وقتها المناسب، وبالتالي فأن جملة ما سبق يؤكد حقيقة ان اشد انواع الخطر يأتي في غير زمنه المخصص أي في وقت الأمان من عدم حدوثه.
ومن المعلوم ان الامثال لا تمثل معانيها الحرفية فقط بل رسالتها المعنوية والتوجيهية التي جاءت عبر تراكم التجارب والخبرات الشعبية والجمعية فتم قولبتها بكلمات وحكم تفيد في مختلف الوقائع والتجارب المعاشة ، وفي ذلك كانت المراهنة على الاطمئنان والخلود للراحة بشكل مبالغ به حتى في وقت الأمان والسلم ضرباً من السذاجة "فأحرص حين تأمن" حتى لا تقع تحت براثن حسن نوايا الوقت والمعادين ممن ينتظرون هذا الوقت الذي تركن فيه للواقع ، وهذا مبدأ ينسحب ايضاً في فكر الشعوب والاوطان الى جانب الفكر الفردي وهو ما جسده القول الشهير "إذا أردت السلام فاستعد للحرب" والذي يدل صراحة أن تحقيق السلام الدائم يتطلب قوة واستعداداً عسكرياً لردع المعتدين لا الاطمئنان المبالغ فيه فأصبحت هذا القول بمثابة استراتيجية دفاعية لضمان الاستقرار عبر القوة ببساطة.
المغزى في كل ذلك ان بناء الانسان معنوياً ومادياً يأتي بالتزامن مع بناء الاوطان فهما متداخلين ويمثل كل منهما قوة واساس في بناء الاخر ، فسقوط الأمم كما دل التاريخ بتجاربه كان بدايته سقوط انسانها بمعنويته وارادته وقناعاته الايجابية تجاه محيطه المباشر وهو ما انتبهت له نظريات واساليب الحرب النفسية الهجومية منها والدفاعية ، ففي أشد لحظات الحرب الباردة التي عاشها العالم بين المعسكرين الغربي والشرقي في النصف الثاني من القرن الماضي كان اثر الانبهار الذي كان يراه المواطن في المنظومة الشرقية لدى نظيره الغربي ببنطلون الجينز والهامبرجر والكولا عاملاً حاسماً في تأصيل نظرته الدونية لنفسه رغم ان الاتحاد السوفيتي هو اول من غزا الفضاء بأطلاق اول قمر صناعي "سبوتنك1" بل وارسل اول انسان للفضاء "يوري غاغارين" ، وكل ذلك التطور لم يمنع الانسان المهزوز داخلياً من الانبهار بالقشور على حساب الأصول الحقيقية فكان نتيجته سقوط الاتحاد السوفيتي المدوي دون ان يطلق عليه رصاصة واحدة من اعداءه.
نعم ، فعظيم النار من مستصغر الشرر وحماية الوطن وانسانه وبناءه مترادفين كأساس للقوة والاستقرار الحقيقي بعيداً عن الاطمئنان المجرد لحسن نوايا الاخرين وكلامهم المعسول ، وأردننا الغالي بحمد الله عبر تاريخه كان نجاحه المميز في ذلك ببناء انسانه كرهان حقيقي له واساس لقوته وذلك مع الشعار الكبير للراحل الحسين رحمه الله "الانسان اغلى ما نملك" ، ومن هنا كان صون الوطن وانسانه في جميع الظروف هو استراتيجية حقيقة لوطن راهن على انسانه دوما وبحمد الله كان رهانه الرابح .