الضمان الاجتماعي بين الاستدامة المالية وحرمة الحقوق المكتسبة
د. مثقال القرالة
14-04-2026 12:50 PM
يشكل قانون الضمان الاجتماعي في الأردن أحد الركائز البنيوية في منظومة الدولة الحديثة، إذ يتجاوز كونه إطاراً تشريعياً لتنظيم المنافع التأمينية إلى كونه أداة لإعادة توزيع الدخل، وتعزيز الاستقرار الاقتصادي الكلي، وتحقيق قدر من العدالة الاجتماعية بين الأجيال. وفي ظل النقاشات الدائرة حول تعديلاته يبرز هذا القانون بوصفه نقطة تقاطع حساسة بين الاعتبارات المالية والاكتوارية من جهة، والالتزامات الاجتماعية والسياسية من جهة أخرى. تأتي أهمية هذا النقاش في سياق اقتصادي معقد يتسم بارتفاع معدلات البطالة، وتباطؤ النمو، وتزايد الضغوط على المالية العامة، إلى جانب التحولات الديموغرافية المتمثلة في ارتفاع متوسط العمر المتوقع. هذه العوامل مجتمعة تفرض تحديات هيكلية على أنظمة الضمان الاجتماعي حيث تزداد نسبة المستفيدين مقارنة بالمشتركين، ما يؤدي إلى اختلال التوازن الاكتواري للصناديق التأمينية. ومن منظور علمي، فإن أي نظام ضمان يعتمد على مبدأ الدفع عند الاستحقاق - Pay-As) " You Go يصبح عرضة للضغط عندما تتغير نسبة الإعالة، وهو ما يدفع الحكومات إلى التفكير بإصلاحات لضمان الاستدامة. غير أن الإشكالية لا تكمن فقط في ضرورة الإصلاح، بل في طبيعة هذا الإصلاح وأدواته فالتعديلات المقترحة غالباً ما تتجه نحو إجراءات تقشفية ضمنية، مثل رفع سن التقاعد، أو تعديل معادلات احتساب الرواتب التقاعدية، أو تشديد شروط الاستحقاق. ورغم أن هذه الإجراءات قد تكون مبررة من منظور مالي بحت، إلا أنها تحمل آثاراً توزيعية مباشرة تمس فئات مختلفة بشكل غير متكافئ، خاصة ذوي الدخل المحدود والعاملين في القطاعات غير المستقرة. ومن هنا يظهر التوتر الكلاسيكي بين الكفاءة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية.
وفي هذا الإطار، تبرز مسألة في غاية الحساسية القانونية والاقتصادية، تتمثل في وضع المشتركين الذين انتسبوا إلى الضمان الاجتماعي وفق القوانين السابقة. فهؤلاء الأفراد، حتى لو كان اشتراكهم قبل يوم واحد فقط من نفاذ أي تعديل جديد، قد دخلوا في علاقة تعاقدية واضحة مع مؤسسة الضمان، قائمة على شروط محددة ومعروفة مسبقاً. ومن منظور قانوني بحت، فإن هذه العلاقة تندرج ضمن مبدأ استقرار المراكز القانونية" وحماية الحقوق المكتسبة"، حيث لا يجوز تعديل الشروط بأثر رجعي بما يخل بجوهر الاتفاق. كما إن أي مساس بحقوق هؤلاء المشتركين يُعد إخلالاً بمبدأ الثقة المشروعة Legitimate) (Expectations، وهو مبدأ أساسي في الفقه القانوني والإداري، يقتضي من الدولة احترام التزاماتها الضمنية والصريحة تجاه الأفراد. فالمشترك لم يدخل في نظام الضمان على أساس افتراضات مفتوحة، بل بناءً على قواعد واضحة تتعلق بنسبة الاقتطاع، وسن التقاعد وآلية احتساب المنافع. وعليه، فإن تعديل هذه القواعد بعد نشوء العلاقة التعاقدية يُضعف مصداقية النظام بأكمله، وقد يفتح الباب أمام طعون قانونية وإشكالات دستورية.
ومن ناحسة اقتصاديه، فإن الإخلال بهذه الاتفاقية الضمنية لا يقتصر أثره على الأفراد المعنيين، بل يمتد إلى سلوك المشتركين المحتملين في المستقبل. إذ إن تراجع الثقة في استقرار القواعد قد يدفع العاملين إلى العزوف عن الاشتراك أو البحث عن بدائل غير رسمية، ما يؤدي إلى تقلص قاعدة المشتركين وتفاقم الاختلالات المالية التي تسعى الإصلاحات أصلاً إلى معالجتها. وبالتالي، فإن الحفاظ على حقوق المشتركين الحاليين ليس فقط التزاماً قانونياً وأخلاقياً، بل هو أيضاً ضرورة اقتصادية لضمان استدامة النظام. أما على المستوى المالي، تعتمد استدامة نظام الضمان على عدة مؤشرات رئيسية من أبرزها معدل العائد على الاستثمارات، ونسبة الاشتراكات إلى المنافع، ومستوى الامتثال في سوق العمل. وفي الحالة الأردنية، فإن التحدي لا يقتصر على إدارة الالتزامات المستقبلية، بل يشمل أيضاً تحسين كفاءة إدارة أموال الضمان وتعزيز الشفافية في استثماراته، بما يضمن تحقيق عوائد مستقرة تقلل من الحاجة إلى تحميل المشتركين أعباء إضافية.
أما على المستوى الاجتماعي، فإن الضمان الاجتماعي يؤدي وظيفة المثبت التلقائي" في الاقتصاد، حيث يساهم في تخفيف حدة التقلبات الاقتصادية من خلال الحفاظ على مستوى دخل معين للأفراد في حالات التقاعد أو التعطل أو المرض. وعليه، فإن أي تقليص في مزاياه قد يؤدي إلى آثار انكماشية، تتمثل في انخفاض الاستهلاك المحلي وزيادة معدلات الفقر والهشاشة، فضلاً عن تعميق فجوة عدم المساواة. و من زاوية الاقتصاد السياسي، تعكس التفاعلات الحالية حول القانون حالة من إعادة التفاوض الضمني على العقد الاجتماعي" بين الدولة والمواطن. فالمواطن الذي يلتزم بدفع اشتراكاته على مدى سنوات طويلة يتوقع في المقابل ضمانات واضحة ومستقرة لحقوقه المستقبلية. وأي تغيير غير توافقي في هذه القواعد يُفسر على أنه إخلال بهذا العقد، ما ينعكس سلباً على مستوى الثقة بالمؤسسات.
تحليلياً، يمكن القول إن الإصلاح الفعّال لنظام الضمان الاجتماعي يجب أن يقوم على حزمة متكاملة من السياسات، وليس مجرد تعديلات جزئية. فمن جهة، ينبغي العمل على توسيع قاعدة المشتركين من خلال دمج القطاع غير المنظم، وتحفيز المشاركة في سوق العمل، خاصة بين الشباب والنساء. ومن جهة أخرى، يجب تحسين إدارة الاستثمارات وتعزيز الحوكمة المؤسسية للصندوق، إلى جانب تبني نماذج تمويل أكثر توازناً. كذلك، لا بد من تبني مقاربة تدريجية في أي تعديل، تأخذ بعين الاعتبار مبدأ الحقوق المكتسبة بحيث لا يتم المساس بحقوق المشتركين الحاليين، خصوصاً أولئك الذين التحقوا بالنظام وفق قواعد سابقة بل يتم تطبيق التغييرات على الداخلين الجدد أو بشكل مرحلي مدروس هذا النهج يحقق التوازن بين ضرورات الإصلاح ومتطلبات العدالة في المحصلة، فإن الجدل الدائر حول تعديلات قانون الضمان الاجتماعي في الأردن يعكس معضلة بنيوية تتمثل في كيفية التوفيق بين الاستدامة المالية والعدالة الاجتماعية. إلا أن نجاح أي إصلاح يظل مرهوناً بمدى احترامه للحقوق القائمة، وتعزيزه للثقة، واعتماده على أسس علمية شفافة. فالضمان الاجتماعي ليس مجرد معادلة مالية، بل هو التزام طويل الأمد، وأي إخلال بشروطه يهدد ليس فقط استقراره، بل استقرار المجتمع بأسره.