الأطباء: سادة المجتمع! ولكن؟
د. ذوقان عبيدات
15-04-2026 08:39 AM
الطب أمّ المِهن، وعلى مدى التاريخ يشتهر الأطباء: جالينوس، أبوقراط، ابن سينا، وإلى اليوم أسماء لامعة قفزت فوق الطب، وتمددت في مجالات السياسة، والتعليم، والمنظمات الإرهابية، يشاركهم في ذلك أحيانًا المهندسون. فالطب، والهندسة، والتكنولوجيا، تُعرّض العاملين فيها إلى انحرافات أخلاقية، وسيكولوجية، واجتماعية، واقتصادية!
وبعيدًا عن أحداث انتحار طالب طب، أو أكثر، فإن لدارسي الطب
مساربَ قد تقود إلى أزمات ليس أهمها الانتحار!
(١)
العناية بالجسد
ابتعد الفلاسفة عن العناية بالجسد، وتركوا ذلك لرجال الأخلاق، ورجال الدين يشبعونه قيَمًا، وسلوكات، ومعايير، وتقييمات ،وللأطباء يشبعونه تشريحًا، وجراحة، وعلاجًا ، وتصحيحًا.
فالمجتمعات كلها تبجّل رجال الدين، والأخلاق، والأطباء مع أنهم أوغلوا وتطرفوا في رعاية الجسد…! وبذا امتلك هؤلاء سلطة على المجتمع من خلال سلطتهم على الجسد!
والكل يدّعي إنقاذ الجسد، وإنقاذ المجتمع، وفي هذا بعض صحة!
لن أتحدث في هذه المقالة عن رجال الدين، والأخلاق، وكيف يعدّون بصرامة وقسوة؛ ليطلقوا
قسوتهم على الأفراد، بل أخصص هذه المقالة عن الأطباء فقط!
(٢)
في الطريق إلى لقب طبيب!
إجهاد معرفي وانحيازات!
تحشَر أجساد الأطفال، وعقولهم ، وتُخترع لهم ميول لدراسة الطب! فطالب الطب منذ صغره،
يكرس وقته، وجهده، وحفظه، وثقافته للحصول على علامة الطب! وبذا يُحرم مما يبهج كل طالب! فطالب الطب طالب "مُكتمل" لا يُسمح له بارتكاب غلطة!!
يذهب إلى الجامعة فخورًا ومغرورًا، ويضع مريول الطب على ذراعه، وسماعة الطبيب على عنقه، ليُفاجأ باستمرار نظام تعليمي أشدّ قسوة! "يتنمر" عليه أكثر من٦٠٪ من أساتذة كلية الـطب -حسب تقرير علمي أعدته الإعلامية منى أبو حمور-!
دروس قاسية، وأنظمة متسلطة لا تسمح باي خطأ!. وبذلك يخضع طالب الطب إلى عشرين عامًا من الدقة، والصرامة، والدراسة ، والامتحانات ،وبعض السخرية ، والتسلط… إلخ. ويتعرض لمنهج دموي في التشريح، والفيزيولوجيا، والكيمياء، والبيولوجيا من دون أي حسّ إنساني!
سمعت طالب طب انتقد شاعرًا لأنه قال:
الآن امتلأ قلبي سرورًا!
قال الطالب: هذا هراء! القلب لا يمتليء بغير الدم!
يذكر كامل العجلوني أن دراسة الطب في مستشفيات بغداد أيام العباسيين كانت تشمل مناهج الموسيقى، والفلسفة! فالطبيب ليس جلمودَ طبّ، بل إنسان أولًا.
والطبيب يمارس العمل الطبي سبع ساعات يوميّا، ولكنه يعيش إنسانيته أربعًا وعشرين ساعة يوميّا! ولذلك يحتاج ما يجعله إنسانًا خلافًا لكل ما يراه في مدرسته، وجامعته!
فأين المشكلة؟
(٣)
الأطباء يّستهووْن بسهولة
إن شخصية الطبيب التي نمت تحت القسوة، والدقة، وعدم التسامح ولو بشق غلطة، وبرغبة عالية في الحصول على الاكتمال،
هذه الشخصية لن تكون صلبة، بل تعاني من سيولة نفسية تجعلهم يلجأون إلى ممارسة تطرف، حيث أشارت دراسات أجنبية -كتبت عنها سابقًا- أن نسبة الأطباء في المنظمات المتطرفة عالية، ولعلكم تذكرون قيادات في القاعدة، وداعش من الأطباء!
(٤)
لم تعد المشكلة في الأطباء وطريقة إعدادهم، وقساوة النظام التعليمي
! المشكلة أن الأطباء سيطروا على النظام التعليمي كله في إلطب، والهندسة، واللغة، والروضة وغيرها! فصاروا يتحكمون بوزارات التربية والجامعات! ولا أدري من نصح الحكومة بذلك، لكن الكل يعترف بتراجع مستوى التعليم تحت قيادة الأطباء!
طبعًا يمكن لأي إنسان أن يدير العملية التعليمية بشرطين:
-الأول، أن تكون لديه رؤية تربوية.
-الآخر، أن لا يعدّ نفسه الخبير التربوي الوحيد في العمل!
فهمت عليّ؟!!