الأردن وإمريكا وإيران
أ.د. هيثم العقيلي المقابلة
15-04-2026 09:19 AM
لفهم ما يحدث في منطقتنا حاليا لا بد للعودة لفهم النظرية الامنية الاسرائيلية و النظرية الامنية الامريكية الجديدة لانها تعد البوصلة للفهم و الاستشراف المستقبلي.
النظرية الامريكية المحدثة قائمة على حروب الاقتصاد و التكنولوجيا بمعنى ان من يتحكم بمدخلات الاقتصاد قادر على التفوق و هذه المدخلات هي الطاقة و الممرات البحرية و البرية و لكن البحرية بشكل اساسي. ليس بالضرورة امتلاك هذه المدخلات لكن السيطرة و التحكم بها من خلال المنع و الاعاقة و التسهيل. بدأ ذلك بمصادر الطاقة في فنزويلا و على ضفتي الخليج العربي و بالممرات مضيق هرمز وسيمتد الى مضيق بنما و قد يمتد لاحقا لباب المندب و السويس و مضيق ملقا. القدرة على تعطيل و اعاقة و تفتيش مدخلات القناعة مثل الناقلات للنفط و الغاز و مخرجاته مثل البضائع المصدرة قادر على رفع كلف الانتاج و احداث تضخم و ركود و قد يكون في مرحلة ما ان عودة الصناعات للاستيطان في الولايات المتحدة امر طبيعي اذا ارتفعت كلفها في الصين.
اذا الحروب ليس لاسباب عقائدية او احتلالية بل للتحكم بالاقتصاد و هذه هي صورة الحرب الجديدة بين امريكا و الصين. الحرب الروسية الاوكرانية لا تخرج عن ذلك فهي وضعت الفرامل للصناعات الاوروبية المعتمدة على النفط و الغاز الرخيص من روسيا. في هذه المعادلة هنالك كاسب واحد و هي الولايات المتحدة و هنالك خاسرون و هم اوروبا و اسيا و اما ايران و باقي الدول فهم ادوات لهذا الصراع ليس اكثر.
نعود للنظرية الامنية الاسرائيلية و علاقة التخادم الخفي مع ايران. هذه النظرية قائمة على نقل الصراع من عربي اسرائيلي الى صراعات اخرى عربية عربية، عربية ايرانية و غيرها من الصراعات مع القوى الاقليمية. برأيي ان ايران كانت تعي ذلك جيدا و التقت اهداف المشروعين الاسرائيلي المدعوم امريكيا في حينه و الفارسي. ساعدت ايران و سهلت تدمير العراق و استحداث الصراعات فارسي عربي، شيعي سني، الجبهة الحسينية و الجبهة اليزيدية و كلها كانت صناعة ايرانية بحته استخدمت للتحشيد الداخلي و الخارجي. سمحت امريكا و اسرائيل لايران بالتمدد و بالفعل دخلت الدول العربية مجبرة على صراعات مع الخطر الايراني. الان انتقلت النظرية الامنية الاسرائيلية برأيي الى الهيمنة الاقليمية مع قناعة بأن التحالف مع امريكا يضعف شيئا فشيئا فالاهداف و المصالح الامريكية لم تعد تتقاطع او تلتقي مع الاسرائيلية. لذلك اصبحت اسرائيل تعمل بجد لان تكون القوة الاقليمية المهيمنة و بعد ان كانت هنالك علاقة تخادم خفي بين الايراني و الاسرائيلي اصبحت ايران و تركيا و مصر هي القوى الاقليمية المتبقية و اضعفها عسكريا و سياسيا طبعا ايران.
لذلك برأيي ما ان تحقق الولايات المتحدة هدفها بالتحكم بالطاقة و مضيق هرمز الا و ستطلق يد اسرائيل في ايران مع دعم سياسي و عسكري و ستدخل ايران مراحل الفوضى و التقسيم و تنشغل بنفسها.
المرحلة التالية ستكون تركيا و ستدور رحى المعارك في سوريا و العراق مع خنق اقتصادي و قد يكون هنالك صراعات سياسية او انقلابات عسكرية داخل تركيا.
طبعا كل ذلك من فهمي كمفكر فيما يحدث و قد لا يكون صحيحا و لكن اذا حدث فنحن امام تقسيم لايران و العراق و ازمات على حدودنا في الاردن و لكن ذلك يثبت ان النهج الاردني الحالي هو الاكثر فهما للحاضر و استشرافا للمستقبل فامريكا حليف موثوق باللحظات المفصلية اما الصين و الروس فلا يعول عليهم. رغم ضعف الموارد و الامكانات الاردنية و لكن يثبت دوما ان الاردن يمتلك قدرات اعلى في الازمات.
حتى استكمل الصورة لا بد ان نعود قليلا و نرى كيف استخدمت القضية الفلسطينية فيما سبق بدل خدمتها من القائمين عليها. بدأت القصة بتنصل الدول العربية المؤثرة في حينه من القضية بسحب الدور الاردني لصالح منظمة التحرير بدعم من مصر و المغرب و ما سمي الدول الثورية في مؤتمر الرباط و بنصائح من كسينجر لتبدأ مرحلة تقديم تنازلات متتابعة بلا مقابل انتهت بالغاء الدور العربي كاملا و خصوصا الاردن في اتفاقية اوسلو و نقل الصراع الى فلسطيني اسرائيلي بدل عربي اسرائيلي و لتجد دول مثل الاردن انها في مهب الريح في هذا الصراع ان لم تتدارك الفرصة الاخيرة خصوصا مع تقدم المفاوضات السورية الاسرائيلية في حينه فكانت معاهدة وادي عربي و التي كانت ضرورة اكثر منها اختيار.
كان من الممكن ان يستفيد الفلسطينيين من هذا الطرح لو توحدت التوجهات و لكن ظهر مشروعين احدهما السلطة الفلسطينية القائمة على الصراع السياسي مع اسرائيل و مشروع حماس القائم على الصراع المسلح و كان من الممكن لو توافق هذين المشروعين ان تقدما شيئا للقضية الفلسطينية بحيث يكون صراع سياسي لا يصل للتفريط و صراع مسلح لا يصل للصدام المباشر و لكن دخول ايران على الخط في غزة و سيطرتها على القرار مع استبعاد الدول العربية بل استعدائها دون سبب مقنع من فصائل غزة انتهى بان اصبحت القضية الفلسطينية ورقة ايرانية ترفع شعار التحرير و لكن تستخدمها لزعزعة استقرار الدول العربية و حماية ايران بابقاء الحروب بعيدا عن ارضها.
انتهينا اليوم الى ان ايران التي لم تقدم دعم سياسي و لم تقدم دم ايراني او تبنى شارع او مدرسة او مستشفى في فلسطين تمنح من تيارات شعبية و فكرية الطهارة و سكوك الغفران و اما الدول مثل الاردن التي قدمت الدماء و المواقف السياسية و كل اشكال الدعم تصب عليها الاحقاد و الانتقاد.
هذا الشرح كان ضروري لنفهم كيف وصلنا الى ما وقلنا اليه اليوم و بالتالي لنتوقع ما يحدث غدا فالعالم يتغير و شكل الصراعات يتغير و بات سلاح الحروب و سلاح السردية يخدم اهداف النظرية الامنية.