facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الدولة التي يخاف مسؤولوها ..


م. عامر البشير
16-04-2026 08:32 PM

حين يتحوّل الخوف إلى نظام

بمناسبة تعيين الزميل السّابق في المجلس النيابي السابع عشر، عضو مجلس الأعيان الحالي، الدكتور مصطفى الحمارنة، رئيسًا تنفيذيًا لـ الأكاديمية الأردنية للإدارة الحكومية،
لا يبدو الحدث مجرد انتقالٍ وظيفي اعتيادي في مسيرة الرجل المشرّفة، بل لحظةٌ تستحق التأمّل.. لأن بعض المواقع القيادية لا تُدار بالخبرة فقط، بل تُختبر فيها العلاقة الدقيقة بين المعرفة والشجاعة، بين القرار والخوف، وبين الدولة.. ومعناها.

في مثل هذه اللحظات، لا يحتاج من يتبوّأ هذا الموقع إلى تهنئةٍ تقليدية، بقدر الحاجة إلى تسليط الضوء والسّؤال، كيف تُبنى سيرة المسؤول الحكومي؟ وكيف يتم اختيار أيٍّ من المرشحين للوظائف العامة؟ وكيف ومتى ولصالح مَنْ تمّ الانحراف عن الاعراف الراسخة في الاختيار؟ ولماذا تحوّلت هذه السرديّة من إضافةٍ للدولة.. إلى عبءٍ عليها؟

سيرة تُقرأ في الغياب


ثمّة سيرةٌ غير مكتوبة لبعض المسؤولين، لا تُدوَّن في تقارير الأداء، ولا تظهر في السِّيَر الذاتية.. لكنها تُقرأ بوضوح في أثر القرارات.. أو في غيابها.
سيرةٌ منهم مرّت بثلاث مراحل، لا يُعلنها صاحبها، لكنها تكشفه أكثر مما تفعل الكلمات، خصوصًا حين تكون خدمته أطول من المألوف، لا سيما في مؤسساتٍ ضخمة وراسخة، وأكبر ممّن يتبوّأها.

المرحلة الأولى: صمتٌ يُشبه الحكمة


في المرحلة الأولى، يكون متفرّجًا صامتًا.. يقف على الحياد، تاركًا المؤسسة لتعمل بقوى الدفع الذاتي، لا يشارك تنصّلًا، لأنه يعلم أنه لا يعلم.

وهنا، يبدو الصمت – في ظاهره – حكمة، ويُفسَّر التريّث على أنه تعقّل. يراقب، يتعلّم، يتجنّب الخطأ، ويتحصّن خلف الحذر… وأكثر ما يفعله: هزّ الرأس.
في هذه اللحظة، يكون الخوف مبرّرًا.. لأن الجهل مُدرَك، ولأن الوعي بالنقص يُنتج تواضعًا، لا ادّعاء.

لكنها مرحلة—إن طالت—تتحوّل من تواضعٍ إلى انسحاب، ومن تعلّمٍ إلى تخلٍّ غير معلن عن جوهر المسؤولية.
وهنا.. يبدأ التراجع دون أن يُلاحظ أحد، والصمت إن طال.. لم يعد حكمة، بل تخلٍّ مقنّع.

المرحلة الثانية: ثقةٌ تُخفي الفراغ

ثم تأتي المرحلة الثانية، حيث يتحوّل المتفرّج إلى مشارك.. لكنه مشاركٌ مرتبك، أخطاؤه تكشفه عند العارفين، لأنه لا يعلم أنه لا يعلم.
وهنا تبدأ المفارقة الأخطر: حين يغيب الوعي بالجهل، فيتقدّم بثقةٍ غير مؤسسة، ويُصدر قراراتٍ بلا إدراكٍ كافٍ، ويظنّ أن الممارسة تعوّض المعرفة، وأن الموقع يمنح الفهم.
فتكثر الأخطاء..
لا لأن الخطأ طبيعي، بل لأن مصدره مركّب:
جهلٌ غير مُدرَك، وثقةٌ غير مستحقّة.
في هذه المرحلة، لا تكون المشكلة في الفعل، بل في غياب المراجعة، وفي استحالة التعلّم.. لأن من لا يدرك نقصه، لا يسعى إلى استكماله.
وهنا، لا يعود الخطأ عارضًا.. بل يصبح منهجًا.
أخطر الأخطاء .. أخطر المسؤولين .. من يخطئ وهو يظنّ أنه يُحسن

المرحلة الثالثة: خوفٌ يوقف الزمن

أما المرحلة الثالثة، فهي الأكثر صمتًا.. والأشدّ أثرًا، يعود المسؤول إلى موقع المشاركة.. لكن دون أن يشارك.
لأنه أصبح يعلم أنه لا يعلم، لكن هذه المرّة.. لا يتوقّف عند الإدراك، بل ينتقل إلى الخوف.

هنا، لا يعود الصمت تواضعًا، بل يصبح تردّدًا مشلولًا.
لا يخطئ.. لكنه لا يُصيب.
لا يُقدِم.. ولا يُحجم..

بل يعلّق الزمن الإداري في منطقةٍ رمادية،
تتآكل فيها القرارات قبل أن تولد، ويصبح كل إجراءٍ مؤجّلًا، وكل توقيعٍ مؤجّلًا، وكل ملفٍ مؤجّلًا.. ليس لأن القرار غير واضح، بل لأن الشجاعة غابت.

وفي هذه اللحظة، يتحوّل المسؤول من فاعلٍ إلى حارسٍ لذاته، ومن مديرٍ للشأن العام.. إلى مديرٍ لمخاوفه الخاصة.

وهنا.. تتوقّف العجلة، الدولة لا يموتها الخطأ…

بل يقتلها الخوف.

الخاتمة: حين يغيب المعنى

وهكذا، لا يكون الانهيار الإداري حدثًا مفاجئًا، بل مسارًا تراكميًا: يبدأ بوعيٍ صامت، ويمرّ بثقةٍ مضلِّلة، وينتهي بخوفٍ مُعطِّل.

وفي كل مرحلة.. كان يمكن إنقاذ المسار:
لو تحوّل الإدراك في الأولى إلى تعلّم،
ولو تحوّلت الأخطاء في الثانية إلى مراجعة،
ولو تحوّل الخوف في الثالثة إلى شجاعة.

ولهذا، فإن لحظة تكليف مصطفى الحمارنة اليوم ليست مجرد بدايةٍ إدارية، بل اختبارٌ مختلف: هذا التعيين ليس اختبارًا للرجل .. بل اختبارٌ لفكرة الدولة نفسها
 في أن يُكسر هذا المسار قبل أن يبدأ،
وأن تُدار المؤسسة بالمعرفة.. دون تردّد،
وبالشجاعة.. دون تهوّر.

لأن الإدارة، في جوهرها، ليست اختبارًا للمعرفة فقط، بل اختبارٌ للشجاعة أيضًا، وحين يغيب أحدهما.. تختلّ المعادلة.

الدولة لا تسقط حين تكثر الأخطاء.. ولا تنهار حين تفشل قراراتها .. بل حين يتوقّف من بيدهم القرار عن اتخاذه.

ليس الانهيار الإداري حادثة .. بل مسار
يبدأ بصمتٍ مبرّر .. ويتضخّم بثقةٍ عمياء .. وينتهي بخوف يُعطّل المعنى.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :