الفوضى الخلّاقة بوصفها خطابًا لا حدثًا .. حين تُدار مصائر الضعفاء بلغةٍ مصقولة من الاقوياء
د. بركات النمر العبادي
19-04-2026 10:39 AM
على المستوى الفلسفي ، لا تُفهم الفوضى الخلّاقة بوصفها سياسة فقط ، بل بوصفها خطابًا سلطويًا يعيد إنتاج الواقع عبر اللغة ، فاللغة هنا لا تصف ما يحدث ، بل تشرعنه ، وتمنحه مظهر الضرورة التاريخية ، إننا أمام ممارسة (فوكوية ) للسلطة ، حيث تُمارَس الهيمنة لا بالسلاح وحده ، بل بتحديد ما يُقال ، وكيف يُقال ، وما يُسمح له أن يُفكَّر فيه.
كذب الأقوياء ، في هذا السياق ، ليس إنكارًا للحقيقة ، بل إعادة تصنيعها ، فالحقيقة لم تعد ما هو واقع ، بل ما يُعترف به ضمن النظام الخطابي السائد ، ومن يملك القوة يملك القدرة على تعريف المفاهيم : ما هو الإرهاب ، ما هو السلام ، من هو المعتدي ، ومن هو الضحية . وهكذا تتحول السياسة إلى إدارة للمعنى قبل أن تكون إدارة للمصالح.
الفوضى الخلّاقة هي مثال نموذجي على هذا الانقلاب المفاهيمي ، فالفوضى ، التي كانت تاريخيًا نقيض النظام ، تُعاد صياغتها بوصفها شرطًا للنظام الجديد. والخراب يُقدَّم كألمٍ علاجي، والدمار كمرحلة ضرورية للنضج السياسي ، هذا المنطق يعكس تصورًا أداتيًا للإنسان والمجتمع ، حيث تُختزل الشعوب إلى مواد خام في مختبرات الجغرافيا السياسية.
المشكلة الجوهرية أما الصهيونية السياسية ، فقد نجحت في ترسيخ نموذج خطابي بالغ الخطورة ، يقوم على احتكار المعاناة وتحويلها إلى رأس مال أخلاقي دائم ، وبهذا تُمنح القوة حصانة أخلاقية مسبقة ، ويُجرَّد الخصم من إنسانيته ، لا لأنه مخطئ ، بل لأنه خارج السردية المعترف بها ، هنا لا يعود النقاش ممكنًا ، لأن اللغة نفسها صُممت لإقصاء الآخر.
ومن منظور فلسفي محافظ في الاردن ، تكمن في أن هذا الخطاب يفكك العلاقة بين الحقيقة والأخلاق ، فحين تُفصل القوة عن المسؤولية ، وتُفصل السياسة عن القيم ، يصبح الكذب جزءًا بنيويًا من النظام الدولي. وحينها لا تعود الفوضى استثناءً ، بل أداة حكم.
إن مقاومة هذا المسار لا تبدأ بالسلاح ، بل باستعادة الحق في اللغة ، وفي تسمية الأشياء من خارج القاموس المفروض ، فالمعركة الحقيقية اليوم هي معركة على المعنى : من يملك تفسير الواقع ؟ ومن يحدد ما ه “معقول” وما هو “متطرف”؟ ومن يرسم حدود الممكن والممنوع ؟
Therefore، فإن استعادة السيادة تبدأ من استعادة الحقيقة ، واستعادة الحقيقة تبدأ من تحرير الخطاب من هيمنة القوة ، وحين يستعيد الضعفاء قدرتهم على إنتاج لغتهم السياسية الخاصة ، يتحولون من موضوعٍ في خطاب الآخرين إلى فاعلين في تاريخهم ، ويصبح الوعي أول أشكال المقاومة.
حمى الله الاردن من كل كريهة
* حزب المحافظين الاردني - مساعد الامين العام للثقافة الحزبية