مضيق هرمز: شريان الطاقة العالمي ونقطة تحول في النظام الدولي
د.عبدالله القضاة
21-04-2026 10:41 AM
لم يكن الثامن والعشرون من فبراير 2026 مجرد تاريخ لإغلاق مضيق هرمز، بل كان إعلاناً صريحاً عن انهيار ركائز النظام الدولي الذي تشكل بعد الحرب الباردة، وبداية عصر جديد تُكتب قواعده وسط صراعات جيوسياسية عميقة فوق مياه الخليج العربي.
سياق الأزمة: من "الضغط الأقصى" إلى الانفجار
لم تكن أحداث 2026 وليدة الصدفة، بل تتويجاً لمسار تصعيدي بدأ بفشل المفاوضات النووية في جنيف، وتبني إدارة الرئيس دونالد ترامب سياسة "الضغط الأقصى" عبر مذكرة الأمن القومي الصادرة في فبراير 2025. وصلت الأمور إلى ذروتها مع عملية "Epic Fury" العسكرية التي استهدفت المنشآت النووية وقيادات الحرس الثوري الإيراني، مما دفع طهران لاستخدام ورقتها الاستراتيجية الأخيرة: مفتاح هرمز.
الجغرافيا السياسية: حين يتحكم المضيق في مصير العالم
يعد مضيق هرمز، الذي لا يتجاوز عرضه 34 كيلومتراً في أضيق نقاطه، الشريان الحيوي الذي يتدفق عبره ربع تجارة النفط البحرية وخمس تجارة الغاز المسال عالمياً. ومع إغلاقه، قفزت أسعار خام برنت لتتجاوز 90 دولاراً للبرميل، وشهدت أسعار الغاز في آسيا وأوروبا ارتفاعات قياسية تراوحت بين 54% و63% في أسبوع واحد، مما أثبت أن من يتحكم في هرمز يمسك بزمام الاقتصاد العالمي.
موازين القوى: الرابحون والخاسرون
كشفت الأزمة عن حقائق استراتيجية جديدة أعادت رسم خارطة القوى الدولية:
إيران ؛خسارة عسكرية وربح استراتيجي: رغم الضربات الجوية المؤلمة، أثبتت طهران أن القدرة على إغلاق المضيق لا تتطلب جيوشاً تقليدية، بل يمكن تحقيقها بمسيرات منخفضة التكلفة. تحولت إيران من "دولة محاصرة" إلى "ضابط مرور دولي" يسمح بمرور سفن الصين وروسيا والهند، بينما يغلق الطريق أمام الغرب.
الولايات المتحدة ؛ قوة عاجزة: وجدت واشنطن نفسها في مأزق؛ فالحصار الذي فرضته على الموانئ الإيرانية أضر بحلفائها في أوروبا وآسيا أكثر من طهران. وبحلول أبريل 2026، باتت الإدارة الأمريكية مخيرة بين قبول شروط إيرانية مهينة أو الانزلاق نحو حرب مفتوحة.
أما الصين ؛ الرابح الأكبر: دون إطلاق رصاصة واحدة، حصلت بكين على نفط إيراني بأسعار مخفضة، واستغلت الفراغ الجيوسياسي لترسيخ سابقة قانونية دولية تبرر تحركاتها المستقبلية في مضيق تايوان.
دول الخليج: بين المطرقة والسندان
وجدت دول مجلس التعاون الخليجي نفسها في مواجهة لحظة تاريخية حاسمة. وبينما تباينت المواقف بين التصعيد والغموض الاستراتيجي، بقيت الحقيقة المرة هي أن هذه الدول تدفع الثمن الأكبر لحرب لم تخطط لها ولم تُستشر في قراراتها.
سيناريوهات المستقبل
تتأرجح الأزمة بين ثلاثة مسارات محتملة:
الأول: الحرب الإقليمية الموسعة: انهيار الهدنة ودخول المنطقة في صراع مباشر يرفع أسعار النفط إلى 200 دولار. أما الثاني: فهو الجمود المكلف " التسوية الهشة" : اتفاق "دابآ ملاسإ" الذي يمنح طهران نفوذاً جزئياً مقابل فتح المضيق، وهو السيناريو الأكثر احتمالاً. ويتمثل الثالث بنظام أمني إقليمي جديد : تأسيس "مؤتمر هرمز" لتقنين وضع المضيق وتحويل دوله المطلة من ضحايا إلى مهندسين للأمن الإقليمي.
الخلاصة؛ أثبتت أزمة 2026 أن مضيق هرمز لن يعود كما كان؛ فهو ليس مجرد ممر مائي، بل هو الثغرة الاستراتيجية التي سيحدد من يسيطر عليها شكل النظام الدولي القادم. إن دول الخليج اليوم أمام خيارين: إما أن تكون شريكاً في بناء نظام أمني بقرار عربي، أو تظل رهينة لقرارات تُتخذ في عواصم بعيدة عن شواطئ هرمز.
* كاتب ومحلل سياسي اردني