بين منطق القوة ومسؤولية الدولة .. كيف ينظر حزب المحافظين لحروب تُدار خارج الأخلاق
د. بركات النمر العبادي
23-04-2026 10:30 AM
في خضم التصعيدات المتكررة في الشرق الأوسط ، يتجدد سؤالٌ جوهري طالما شغل العقل السياسي الأردني المحافظ : هل يُبنى الاستقرار بالحروب ، أم بالحكمة ؟ وهل يمكن لمنطق القوة المجردة أن يؤسس نظاماً إقليمياً متوازناً ، أم أنه يفتح أبواباً لفوضى ممتدة تتجاوز حدود الجغرافيا والسيادة؟
من منظور الفكر المحافظ الأردني ، لا تُقرأ هذه الحروب بوصفها أدوات مشروعة لإعادة التوازن ، بل كاختلالٍ عميق في مفهوم الدولة نفسها ، حين تُختزل القوة في القدرة على الإيذاء ، وتُهمّش القيم التي قامت عليها فكرة السيادة والقانون الدولي ، فالدولة ، في هذا الفهم ، ليست كياناً منفلتاً ، بل مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون سلطة سياسية.
إن ما نشهده اليوم لا يمكن تبريره تحت أي عنوان استراتيجي حين تتحول الحروب إلى آلة تمسّ المدنيين ، وتُدخل المجتمعات في دوائر خوف دائم ، وتُستباح فيها الحياة الإنسانية كأنها تفصيل ثانوي ، فاستهداف الأبرياء ، أو القبول بسقوطهم كـ"أضرار جانبية" ، ليس فقط فشلاً عسكرياً ، بل سقوط أخلاقي يُفرغ أي خطاب سياسي من مضمونه.
وفي هذا السياق ، يبرز لبنان كصورة مكثّفة لهذه المأساة المتجددة ، فالمشاهد القادمة من الضاحية الجنوبية لبيروت ، وما رافقها من موجات نزوح واسعة قُدّر عددها بمئات الآلاف وصولاً إلى ما يقارب المليون ، تكشف عن حجم الكلفة الإنسانية التي تدفعها المجتمعات المدنية في صراعات لا تملك قرارها ، عائلات تُهجّر من بيوتها ، ومدن تُفرغ من سكانها ، وبنية اجتماعية تُضرب في عمقها ، في ظل مشهد دولي يبدو عاجزاً أو متجاهلاً.
إن إدخال المدنيين في معادلات الصراع ، سواء بالقصف المباشر أو بدفعهم إلى النزوح الجماعي ، يُمثّل انتهاكاً صريحاً لفكرة الدولة المسؤولة ، ويطرح تساؤلات جدية حول حدود استخدام القوة ومعاييرها ، وفي الرؤية المحافظة الأردنية ، فإن حماية المدنيين ليست بنداً ثانوياً ، بل هي جوهر الشرعية السياسية والأخلاقية لأي فعل عسكري.
وفي السياق ذاته ، تبرز مسألة الاغتيالات السياسية كأحد أخطر تجليات هذا الانحدار ، فحين يُصار إلى إنهاء حياة مسؤولين أو قيادات خارج إطار القانون ، وبوسائل توصف بالقوة أو الردع ، فإن ذلك لا يعكس قوة الدولة بقدر ما يكشف عن تراجعها عن الالتزام بقواعد الشرعية ، الاغتيال ، في ميزان الفكر المحافظ ، ليس أداة سياسية ، بل فعلٌ يهدم فكرة الدولة القانونية ، ويؤسس لمرحلة يصبح فيها العنف بديلاً عن المؤسسات.
إن التاريخ القريب ، من العراق إلى غيره من ساحات الصراع ، يقدّم شواهد واضحة على أن الحروب التي تبدأ بذريعة "الحسم" تنتهي غالباً بفوضى ممتدة، وتفكك في البنى الوطنية ، وخلق بيئات خصبة للتطرف وعدم الاستقرار ، وهذا ما يجعل أي دعوة لتكرار هذه التجارب مدعاة لقلق مشروع ، لا تأييد أو صمت.
كما يُحذّر الفكر المحافظ الأردني من خطورة تكريس منطق الإفلات من المحاسبة ، حيث تُمارس بعض الدول سياسات تتجاوز القانون الدولي دون رادع حقيقي ، وهذا المسار لا يؤدي إلى الاستقرار ، بل إلى تعميم نموذج الفوضى ، حيث يصبح خرق القواعد هو القاعدة ذاتها ، وتتحول السيادة إلى مفهوم هشّ قابل للاختراق.
أما على المستوى الإقليمي ، فإن استمرار هذا النهج — من غزة إلى جنوب لبنان — يعني ببساطة إدخال المنطقة في مرحلة أكثر هشاشة، تُفتح فيها الجبهات دون أفق واضح ، وتُستنزف فيها الدول والمجتمعات ، بينما تتراجع فرص الحلول السياسية التي تُعدّ الخيار الأكثر اتزاناً واستدامة.
ختاماً ، يؤكد الفكر المحافظ الأردني أن قوة الدولة لا تُقاس بقدرتها على شن الحروب أو تنفيذ الاغتيالات ، بل بمدى التزامها بالقانون ، وحفاظها على الأرواح ، وسعيها إلى الاستقرار لا الفوضى ، فالحروب التي تُدار خارج إطار الأخلاق لا تصنع نصراً حقيقياً ، بل تُراكم أزمات مؤجلة ، وتزرع بذور صراعات لا تنتهي.
وفي عالمٍ تتآكل فيه الحدّ الفاصل بين الأمن والفوضى ، تبقى الحكمة السياسية ، والالتزام بالقيم ، واحترام الإنسان ، هي الضمانة الوحيدة لبقاء الدول لا مجرد استمرارها.
حمى اللة الاردن من كل كريهة
* حزب المحافظين الاردني - مساعد الامين العام للتثقيف