قانون المنافسة لسنة 2026… خطوة نحو اقتصاد أكثر عدالة أم تحدٍ جديد للتطبيق؟
د. عمر عكاشة المقابلة
24-04-2026 05:34 PM
في خطوة تشريعية لافتة، أقرّ الأردن قانوناً معدلاً لقانون المنافسة لسنة 2026، ونُشر في الجريدة الرسمية، في سياق مسار وطني واضح يستهدف تحديث البيئة الاقتصادية وتعزيز جاذبية الاستثمار. هذا التعديل لا يمكن قراءته بوصفه مجرد تحديث لنص قانوني قائم، بل هو انعكاس لتحول أعمق في فلسفة الدولة تجاه تنظيم السوق وضبط العلاقات الاقتصادية.
لقد عانى قانون المنافسة في صيغته السابقة من إشكالية تقليدية، تمثلت في كونه قانوناً “نصياً” أكثر منه “تطبيقياً”، حيث كانت النصوص واضحة في حظر الممارسات الاحتكارية، لكن أدوات الإنفاذ كانت محدودة، مما أضعف من فاعليته على أرض الواقع. من هنا، جاء التعديل الجديد ليعالج هذه الفجوة، متجهاً نحو بناء منظومة متكاملة قائمة على الإنفاذ والرقابة الفعلية.
ومن أبرز ملامح هذا التحول، تعزيز دور الجهة المختصة بحماية المنافسة، ومنحها صلاحيات أوسع في التحقيق والمتابعة، الأمر الذي يشير إلى انتقالها من دور المراقب السلبي إلى الفاعل التنفيذي القادر على التدخل المباشر. وهذا التوجه ينسجم مع التجارب المقارنة، التي أثبتت أن قوانين المنافسة لا تُقاس بقوة نصوصها، بل بمدى قدرة مؤسساتها على التطبيق.
كما جاء استحداث “مجلس شؤون المنافسة” ليشكل منصة تنسيقية بين القطاعين العام والخاص، في محاولة لربط السياسات الاقتصادية بالتشريعات الناظمة للسوق. غير أن هذا الاستحداث، رغم أهميته، يطرح تساؤلات مشروعة حول حدود دوره، وما إذا كان سيبقى في الإطار الاستشاري أم سيتحول إلى مركز تأثير فعلي في القرار الاقتصادي.
وفي جانب آخر، اتجه المشرّع إلى تغليظ العقوبات على الممارسات المخلة بالمنافسة، خاصة في حالات التكرار أو الأفعال الجسيمة. وهذا يعكس توجهاً واضحاً نحو الردع الاقتصادي، بما يضمن أن تكون كلفة المخالفة أعلى من مكاسبها المحتملة. إلا أن هذا الاتجاه، وإن كان ضرورياً، يتطلب توازناً دقيقاً، حتى لا يتحول إلى عامل ضغط مفرط على بيئة الاستثمار.
كذلك، عمل التعديل على تضييق نطاق الاستثناءات التي كانت تُمنح في بعض الحالات، وهو أمر يعزز من مبدأ أساسي في قانون المنافسة مفاده أن “الأصل هو حرية المنافسة، والاستثناء يفسر في أضيق الحدود”. وهذه الخطوة من شأنها الحد من إساءة استخدام الاستثناءات كغطاء لممارسات احتكارية.
ولا يمكن إغفال أن هذا التعديل يأتي في إطار أوسع يرتبط برؤية التحديث الاقتصادي، التي تسعى إلى تحسين تنافسية الاقتصاد الوطني ورفع كفاءته. فالمنافسة لم تعد مجرد مسألة تنظيمية، بل أصبحت أداة من أدوات السياسة الاقتصادية، تُستخدم لتحقيق النمو، وتحفيز الابتكار، وحماية المستهلك في آن واحد.
ومع ذلك، فإن نجاح هذا القانون لا يتوقف على جودة نصوصه، بل على فعالية تطبيقه. فالتحدي الحقيقي يكمن في بناء قدرات مؤسسية قادرة على تنفيذ أحكامه بكفاءة، وضمان استقلالية الجهة المختصة بعيداً عن أي تأثيرات إدارية أو سياسية، إضافة إلى دور القضاء في تطوير اجتهادات قانونية قادرة على التعامل مع القضايا الاقتصادية المعقدة.
في المحصلة، يمكن القول إن قانون المنافسة المعدل لسنة 2026 يمثل خطوة متقدمة في مسار الإصلاح الاقتصادي والتشريعي في الأردن، ويعكس إرادة حقيقية للانتقال نحو اقتصاد أكثر شفافية وعدالة. غير أن هذه الخطوة، على أهميتها، تبقى بداية الطريق، حيث سيظل التطبيق العملي هو المعيار الحاسم في تقييم مدى نجاح هذا القانون في تحقيق أهدافه.