مبيضين: الكرك في السردية الأردنية ليست مجرد وقائع
24-04-2026 05:55 PM
عمون - أكدّ وزير الاتصال الحكومي السابق، الدكتور مهند مبيضين، أنّ الكرك في السردية الأردنية، ليست مجرد وقائع، وإنما متن وأسلوب حضاري كشقيقاتها من مدن الأردن.
جاء ذلك خلال خلال ندوة حوارية شارك فيها مبيضين في جامعة مؤتة بعنوان "كرك الهية ودورها في بناء السردية الأردنية"، وذلك ضمن ندوات حوارية بعنوان "الأردن الأرض والإنسان".
وبين مبيضين أنّ الكرك كانت حاضرة في مختلف الأزمانُ القديمةُ وفي حضارةُ مملكةِ مؤابَ وانتصاراتُ المؤابيين، وحضارةُ الأنباطِ؛ لتُصبحَ الكركُ جزءًا من طريقِ البخورِ مرورًا بالعصورُ البيزنطيّةُ وسيطرة الرومان فكانت الكرك مركزًا أسقفيًا، وصولًا وليس انتهاء في زمن الإسلام، حيث كانت بداية الفتح من خلال مؤتة.
ولا يمكن نسيان دور الكرك في قيام الأردن الحديث، فبذل أهلها ونخبها دورًا فاعلًا في مجالس الحكم والإدارة السياسية فضًلا عن الحراك والمظاهرات في وجه الانتداب والمشروع الصهيوني.
وتاليًا نص كلمة مبيضين التي قدمها في الندوة.
السّيّداتُ والسّادةُ،
ابدأ بالسلام على الأرض الأردنيّة، وعلى سيّد البلاد الملك العربي الهاشمي الأردني عبدالله الثاني وولي عهد الأمين الحسين صاحبِ الدعوةِ لتوثيق تاريخنا وروايتنا، فهم أوسط الناس داراً وارفعهم حسبا من اهل البطاح والنهضة العربية.
والسلام على درب الشهداء من وطني، وعلى قوافل المعملين والطلبة والزرّاع، والسلام على راعي هذا الصباح، مصطفى الرواشدة، الأستاذ، (وهذا لقب يكفيه فوق كل الألقاب، وهو أهل للمعالي)، سلام منذ كان يقف شامخاً في مدرسة الثنية الثانوية عام 1987 يعلمنا درساً ممتداً بين الكرك وبغداد التي كان عائدا منها، فيه حبٌ ووجعٌ ووعيٌ لأزمة العروبة، وآمالها الطويلة.
سلاماً على البطولة، والشهادة من زمن نجيب السعد الحوراني على ارض ليبيا، محمد الحنيطي في أرض فلسطين، إلى القادة والأبطال من حابس المجالي إلى مشهور الجازي وفاضل علي فهيد وكاسب صفوق الجازي، إلى خالد هجهوج المجالي في الجولان، ولمن استشهد ممن كان معهم في أرض الكرامة وغيرها من جبهات القتال الواجب.
يفتحُ بابُ السّرديّاتِ هذهِ المرّةَ حكايةَ الكركِ وروايتَها في أزمنةِ الأرضِ الأردنيّةِ ومسيرةِ إنسانِها؛ وليستْ هذهِ الحكايةُ تاريخًا للسّياسةِ والحروبِ وسِيَرِ الأبطالِ فحسب، بل هي ثقافةٌ وعلمٌ واقتصادٌ، ومدارسُ تُعلِّمُ الحريّةَ وأنْ لا شيء فوقَ الوطن، ففي جزءٍ من حكايةِ الكركِ وأهلِها: سرايا وسجونٌ أُغلِقتْ أبوابُها على أحرارِ المدنيةِ في زمنِ الاستبدادِ العثمانيّ، وتاريخُ طِبابةٍ وأوبئةٍ ورحلاتٍ وشهادةٍ وثورةٍ على الظّلم، وحنينُ أمٍّ لابنِها الشّهيدِ البطل، وقصائدُ غزلٍ في سيلِ ماءٍ ما جفَّ يومًا ولا غابَ صوتُ خريرِ مائه، وجسورُ وعيٍ وفكرٍ من مؤابَ إلى دمشقَ وبغدادَ والقُدْس، ولهذه أوجاعُها المستحقّةُ عند أهلِ الكرك.
والكركُ -كبقيّةِ شقيقاتِها من مُدُنِ الأردنّ- متنٌ أصيلٌ، ومفهومٌ حضاريٌّ، وإسهامٌ في تاريخِ الإنسانيّة، منذُ الأزمنةِ السّحيقةِ، وصولًا إلى دعوةِ الإسلامِ وتاريخِه العظيم، وإلى فضاءِ الدّولةِ الحديثة، ولها في تلك السّيرةِ عدّةُ محطّاتٍ ومفاصلَ، ومنها:
الأزمانُ القديمةُ: حضارةُ مملكةِ مؤابَ وانتصاراتُ المؤابيين، وحضارةُ الأنباطِ؛ لتُصبحَ الكركُ جزءًا من طريقِ البخورِ.
العصورُ البيزنطيّةُ: بعدَ عامِ (106م) وسيطرةِ الرّومانِ، كانتِ الكركُ ذاتَ حضورٍ وازدهارٍ كبيرَيْن، وأصبحتْ مركزًا أُسقفيًّا.
زمنُ الإسلامِ: من هنا كانتْ بدايةُ الفتحِ، وبوّابةُ مؤتةَ العزِّ.
في الحروبِ الصّليبيّةِ والأزمنةِ الوسطى: الكركُ مملكةٌ، وقلعةٌ حصينةٌ، ذاتُ أهمّيّةٍ كبيرةٍ في الجغرافيا السّياسيّةِ، إذ كان يحسبُ حسابُها؛ وقد أدركَ أرناط، حاكمُها وملكُها، قيمتَها في طريقِ الحجِّ الإسلاميِّ.
في العصرينِ الأيّوبيِّ والمملوكيِّ، الكركُ دارُ سَلْطَنةٍ، ومملكةٌ، وحاضرةٌ، تمتدُّ في أُفُقِها إلى سهولِها غالبُ مناطقِ شرقِ الأردنّ؛ ففي وصيّةِ الملكِ الصّالحِ نجمِ الدينِ أيّوب (تُوفِّي: 647هـ/1249م) لابنِه تورانشاه، ما يُشيرُ إلى أهمّيّةِ موقعِها في حمايةِ أمنِ مصر، إذ يقول:
[يا ولدي: إن ألزمكَ الحلبيّونَ أن تدفعَ الكركَ إلى النّاصر، فأعطِهِ الشّوبكَ، وإنْ لم يرضَ زِدْهُ من السّاحلِ حتى يرضى، ولا تُخرجِ الكركَ من يَدِكَ. اللهَ اللهَ احفظْ وصيّتي، فما تعلمُ ما يكونُ من هذا العدوّ... فمصرُ ما لها حصنٌ، ويجتمعُ عنك العساكرُ. وقد عزمتُ أن أنقلَ إليها المالَ والذّخائرَ والحُرَمَ وكلَّ شيءٍ أخافُ عليه، وأجعلَها ظهري. واللهِ ما قَوِيَ قلبي واشتدَّ ظهري إلا لمّا حصلتْ في يدي...].
-في العصرِ العثمانيِّ، خرجتِ الكركُ من خطِّ سيرِ قافلةِ الحجِّ التي كانتْ تجتمعُ في سهلِ الثّنيّةِ، وباتتْ ناحيةً في القرنِ السّادس عشر تتبعُ لواءَ عجلونَ، ثمّ أضحتْ مركزَ لواءٍ في القرنِ التّاسع عشر، وهي عامَ (1910م) نهضت؛ لتقودَ صوتَ الحريّةِ لعمومِ مناطقِ الجنوبِ الأردنيِّ، حتى أمِّ الرّصاصِ ومادبا، في "هِيّتَها المجيدة" لأجلِ حريّةِ النّاسِ ورفضًا للظّلمِ الاتّحاديِّ العثمانيِّ.
-في الثّورةِ العربيّةِ: التقاءٌ وثباتٌ، ومشاركةٌ فاعلةٌ، والتفافٌ حولَ مشروعِها.
-في زمنِ الإمارةِ: بذلَ أهلُ الكركِ ونُخبُها دورًا فاعلًا في مجالسِ الحكمِ والإدارةِ والسّياسةِ، فقدموا عطاءً على أكملِ ما يليقُ بها. والكركُ فاعلٌ سياسيٌّ وحركةٌ وطنيّةٌ؛ ظهرتْ أفكارُ شيوخِها في المؤتمرِ الوطنيِّ الأوّلِ عامَ (1928م)، وفي مشاركةِ طلبةِ مدرستِها ومظاهراتِهم ضدَّ الانتدابِ والتّهويدِ في فلسطين. ما يعني أنَّ درسَ السّياسةِ عميقٌ هناك؛ فقد انطلقَ من سفوحِها مصطفى وهبي التّل (عرار)، وعبدالسّلام المجالي، ومضر بدران، وعبدالهادي المجالي وآخرون؛ لابتداءِ رحلتِهم الأولى؛ ليُصبحوا -فيما بعدُ- قادةً في الجيشِ والأدبِ والبيروقراطيّةِ الوطنيّةِ.
-وفي زمنِ المملكةِ، للكركِ حضورٌ طاغٍ في السّياسةِ، فهي مركزٌ للأحزابِ اليساريّةِ والوطنيّةِ، والوعيِ، والبذلِ والبناءِ (عبرَ نماذجَ يصعبُ حصرُها). كما قدّمتِ الأبطالَ والشّهداءَ، ومنهم: حابس المجالي، والشّهيدُ هزاع المجالي، رجلُ الدّولةِ الكبيرُ، وفي الكرامةِ كان أوّلُ شهداءِ صباحِها المجيدِ مسلّم قاسم مطير المطارنه، ثم أن بشقيقه عبدالله الذي استشهد أواسط الثمانينيات بعد ان تحطمت به طائرة عسكرية بمنطقة الغور الجنوبي.
-في التحوّلِ الدّيمقراطيِّ ما بعدَ نيسانَ (1989م)، قدّمتِ الكركُ خيرةَ أبنائِها للمشاركةِ السّياسيّةِ والتّعاملِ مع الزّمنِ الجديدِ، وظلّتْ على وفائِها للوطنِ وانتمائِها لقضايا الأمّةِ، سامقةً في عطائِها حتى اليومِ.
-في زمنِ الرّبيعِ العربيِّ، وتداعياتِ ما بعدَ احتلالِ العراقِ، ووثبةِ أمريكا الفجّةِ لنشرِ الدِّيمقراطيّةِ، حاولتْ بعضُ الأحزابِ الدِّينيّةِ سرقةَ الشّارعِ، وتزييفَ الوعيِ لصالحِ الالتقاءِ مع الطّرحِ الأمريكيِّ، فوعى أهلُها ذلك، كما في بقيّةِ بقاعِ هذا الحِمى الطّيّب أهلُهُ، فالتفّوا حولَ قيادتِهم ووطنِهم كما كانوا دومًا.
-تلكَ محطّاتٌ هامّةٌ، أضاءتْ فيها الكركُ ليلَها الذي ما هدأَ يومًا، ونهارَها الذي ظلَّ سياسيًّا بامتياز، وبريقَها الذي ما خفتَ، ووجعَها على بغدادَ ودمشقَ وفلسطينَ بكلِّ حروبِها وفواجعِها. وهي اليومَ تُطِلُّ بوعيٍ، وتُشاركُ، ولا تعترفُ إلّا بحقيقةٍ واحدةٍ: أنّها أصلٌ ثابتٌ في زمنِ الأمّةِ، ومتنٌ رصينٌ في كتابِ الوطن، إذ يكبرُ إنجازُهُ ويزدهرُ في ظلّ قيادةِ جلالةِ الملكِ عبدِ اللهِ الثّاني بن الحسين، حفظهُ اللهُ ورعاهُ.
وأمّا بعدُ،
فدعوني أُذكِّرُ بأنّه حينَ أرادتْ جامعةٌ غربيّةٌ ذاتَ زمانٍ أن يدرسَ أحدُ باحثيها السّياسةَ والتّغييرَ في حاضرِه العربيِّ بالشّرقِ الأوسطِ، لم يجدْ بيتر جوبسر مدينةً أفضلَ من الكركِ بتعدّدِها ووهجِها السّياسيِّ، لتكونَ قصّةً أُخرى من عنادِها وكرمِ أبنائِها ووعيِهم الحادِّ. وهي في كلِّ ذلك البهاءِ ظلّتْ ثابتةً، صلبةً، ونديّةً بفيضِ قلوبِ أبنائِها، وسجاياهم الحميدة.
أمّا في رحلةِ العلمِ والتّحديثِ، فلم يكنِ صعبًا وفي الكركِ الفطنةُ والوعيُ المُشِعُّ، ؛ أن يكونَ أوّلُ طبيبٍ يتخرّجُ من جامعاتِ باريسَ في شرقِ الأردنِّ هو حنّا القسوس، ولم يكنْ مستحيلًا كذلك أن يكونَ أوّلُ عرضٍ مسرحيٍّ لحفلٍ نسائيٍّ في مدرسةِ بناتِ الكركِ الأميريّةِ عامَ (1922م).
ولم يكنْ غريبًا بعد كلّ هذا أن يكونَ عبد السّلام المجالي (رحمهُ اللهُ) أوّلَ طبيبٍ يترعرعُ في ثقافةِ بيتِ الشِّعرِ والزّعامةِ والكرمِ، فقد تركَ دراستَه في جامعةِ دمشقَ؛ ليلتحقَ بـ حابس المجالي على أسوارِ القدسِ عامَ (1948م)، وهو آنذاك في الحلقةِ الأولى المؤسِّسةِ لحزبِ البعثِ، فإذْ به أوّلُ طبيبٍ أردنيٍّ يدخلُ الجيشَ العربيَّ.
ولاحقًا يمضي بعطائِه الوافرِ في تحديثِ الدّولةِ، ثمّ يُختارُ الطّبيبُ المحاربُ على أسوارِ القدسِ مع حابسَ؛ ليرأسَ وفدَ الدّولةِ لصنعِ السّلامِ الصّعبِ. تلكَ هي الكركُ برجالِها، منذورةٌ للأزمةِ الصّعبةِ حين يحتاجُها الوطنُ وقيادتُه، شأنُها شأنُ سائرِ مدنِ الأردنِّ وبواديهِ، تؤدّي ما أُنيطَ بها من مهمّاتٍ كِبار، في مقدّمتِها صونُ الوطنِ والإخلاصُ للعرشِ.
والكركُ بيتٌ كبيرٌ، أسهمَ في بنائِه أهلُ المدينةِ، ونُخَبٌ أردنيّةٌ من مُدنٍ أُخرى، وقاماتٌ عربيّةٌ؛ فهذا مصطفى العابد باشا يعيّن مُتصرِّفًا في الكركِ في أواسطِ القرنِ التّاسع عشر، وهذا عبد الوهاب الإنجليزيّ ابنُ حماةَ يصبحُ مبعوثًا عن الكركِ، بعد أن لجأَ توفيق باشا المجالي إلى مصرَ بعدَ الهَيّةِ. وهذا عادل العظمة يُكاتِبُ مُتصرِّفَ الكركِ؛ لأخذِ إجازةٍ لرؤيةِ أهلِه في دمشقَ، وهذا محمد مختار المفتي أوّلُ طبيبٍ عربيٍّ يُعيَّنُ في ظلِّ الحكومةِ العربيّةِ في الكركِ، وهو من دمشقَ، وتطولُ القائمةُ إلى أنْ نتذكّرَ محمد صالح السّنوسيَّ قاضيَ الكركِ الشّرعيَّ عامَ (1927م)، وهو ابنُ ليبيا.
وفي الكركِ فسيفساءٌ لتنوّعِ المدنِ العتيقةِ من حواضرِ الأمّةِ؛ ففيها أُسَرٌ من مكّةَ إلى طرابلسَ، إلى القدسِ فالخليلِ وغزّةَ، فدمشقَ فحماةَ.
وإنَّ ممّا يليقُ أن نَختِمَ به هذا المقامَ من سيرةِ الكَرَكِ، طقسُ الشَّهادةِ ولحظةُ الوفاءِ التي تآخى فيها أبناءُ الأردنِّ—ومنهم رجالٌ من الكَرَكِ والطَّفيلةِ—على أسوارِ القُدسِ عامَ (1948م):
روى لي الشّيخُ إسماعيل السّعوديّ رحمهُ اللهُ في (مقابلةٍ منشورةٍ في جريدةِ الغدِ بتاريخ: 10/6/2010م) ما يلي:
"...كان قائدُ السّريّةِ المطهّرةِ محمّد إسحق هاكوز قال لهم: «لكم وجبةٌ ساخنةٌ في جبلِ اللّطرونِ، ومن هناك تتقدّمونَ للقدسِ»، وجاءتِ السّيّاراتُ وتحرّكنا، وتفقّدَ الجنودُ السلاحَ الأبيضَ والقنابلَ اليدويّةَ، وأكلنا لحمَ عجلٍ، وشربنا شايًا بحليبٍ...".
على بابِ القلعةِ التقوا بـ محمود موسى العبيدات، و"كان عليه تاجٌ برتبةِ قائدٍ، وقال: يا إخوّانا بِدِّيْ أدِلْكُم، لا تُفوتوا حارةَ الأرمن، ممكنْ فيها ألغامٌ، ووزّعوا البرنات – وهو سلاحٌ إنجليزيٌّ أشبهُ بالرّشّاشِ الكبيرِ – على الخنادقِ الثّلاثةِ".
كان سلاحُ إسماعيل السّعوديّ "برن"، ومعه علي بشير الصّرايرة، و"انطلقا زَحْفًا، وكانتِ المسافةُ طويلةً"، لكنّ عليّ بشير رفعَ رأسَه، و"سمعتُه يتألّمُ، وإذا بالطّلقةِ بينَ عينيهِ مصدرُها قنّاصٌ، وعدتُ إليه ووجدتُه قدِ استُشهِدَ".
وضعَ إسماعيل السّعوديّ "البرن"، وعادَ زحفًا؛ ليُحضرَ المخازنَ التي كان يحملُها رفيقُه الشّهيدُ علي بشير الصّرايرة فوقَ ظهرِه، وعادَ وركّبَ مخزنًا للرّصاصِ، ونظرَ فوجدَ طاقةً يخرجُ منها دخانٌ بسيطٌ، فسلّطَ الرّشّاشَ عليها... ومن ثمّ جاءه الغداءُ على ظهرِ واحدٍ سودانيٍّ، كان يزحفُ، وكان الطّعامُ مكوّنًا من "حبّةِ بطاطا مسلوقةٍ وزرِّ بندورةٍ وخبزٍ".
في السّاعةِ الرّابعةِ استعدّوا للهجومِ بالسّلاحِ الأبيضِ، وشعرَ اليهودُ بذلك، وخرجَ رجلُ دينٍ يهوديٌّ ومعه علمٌ أبيضُ، ومعه بنتٌ عليها ثلاثُ نجومٍ اسمُها "ماشا"، فرفعوا العلمَ، وأوقفنا إطلاقَ النّارِ.
دلّتْهُ المُجنَّدةُ على قنّاصٍ إنجليزيٍّ كان قد ضربَ علي الصّرايرة، ولجأَ إلى المستشفى "ودخلتُ مستشفى القدسِ لآخرِ سريرٍ، وناديتُ على واحدٍ اسمُه سلامة علي من مادبا، وقلتُ له: مَنْ قتلَ علي بشير موجودٌ، ودخلنا عليه، ووضعناهُ بنقّالةٍ، وأخرجناهُ، ولمّا صرنا بآخرِ الغرفةِ نهضَ وبدأ يُقاومُ، وناديتُ على سلامة علي، وأمسكَ الإنجليزيُّ بيدي وشدّني، وصحتُ بعلي سلامة، فصوّبَ المسدسَ إليه وقتلَه".
السّيّداتُ والسّادةُ،
أرى أن السردية ليست تاريخاً منضبطاً بالأحداث ومواقيتها فقط، هي بحث واستعادة لعلائق السلطة مع المجتمع، وتكوين الثروة وأشكال الموظة وتاريخ للمهمشين ومساتير الناس، ورواية الأردن التي نحب فيه ادب عرار وغالب هلسا وعبدالله العكشة وإبراهيم المبيضين وحبيب الزيودي وحيدر محمود وماجد المجالي. وهي بحث في العلاقات البنيوية للاقتصاد والثقافة والعادات والنذور والغزو والأحلاف، وهي محاولة لردم الهوة مع الماضي، من جملة اهدافها استعادة تاريخ الناس الجميل من صدورهم وذاكرتهم، أما تاريخ الدولة فهو مكتوب ومدون، وهو يحتاج لإعادة انتاج؛ لتقريبه للناس. وهي توثيق للأمثال ونداءات السوق والترفيه والتثاقف ورحلة الأردنيين للدنيا الواسعة.
ذلكَ زمانُ الكركِ: أبطالٌ وأريجُ شهادةٍ، ومقاماتُ أنبياءَ وصحابةٍ: نوح، وزيارات للخّضر، وصِنوُ الرّسولِ الأكرمِ جعفر الطّيّار، ومن معه من شبابِ الإسلامِ الأوّلِ؛ وهي لذلكَ عاشتْ بطولةً وشهادةً مُشتهاةً، وأريجًا من الدّمِ على أرضِ فلسطينَ، وفي بابِ قلعتِها وجعٌ ممتدٌّ على حواضرِ الأمّةِ من بغدادَ إلى حلبَ العروبةِ إلى صنعاءَ. وهي شرفٌ ممتدٌّ في البطولةِ من إسماعيل بن يوسف الشوفي المجالي اول من ضرب عنقه على أبواب القدس بعد عام 1832 فاستشهد لوفائه وامانته وشجاعته، إلى زمنِ سائد المعايطة ومعاذ الكساسبة، وغيرِهم من نشامى الوطنِ وشهدائِه الكرامِ.
الكركُ سرديّةُ عشقٍ، وحِصنٌ كانتْ فيه أهمُّ ذخائرِ سلاطينِ المماليكِ، وصفَها ابنُ بطّوطةَ في رحلتِه "تحفةُ النُّظَّارِ" بقوله: "ثمَّ يرحلونَ إلى حِصْنِ الكركِ، وهو أعجبُ الحصونِ وأمنعُها"، والكركُ سِجالٌ وجدَلٌ مستمرٌّ في السّياسةِ، ونبضٌ اقتصاديٌّ يُقاوِمُ هيمنةَ البنك الدّوليّ، وآفاقٌ مُشْرَعَةٌ للحبِّ، وسيلٌ دفّاقٌ، وعينُ ماءٍ اسمُها (سارة)، يقولُ حيدر محمود:
لا تَلُمْنا إذا عشقناكَ يا سَيلُ
فأنتَ (الطِّلا).. ونحن النُّدامى
ساهراتٌ عيوننا في لياليكَ
وما ينبغي لها أَنْ تَنَاما
قد أتينا إليكَ، منكَ، هديلًا
وصهيلًا، وزعترًا، وخُزَامى
وحملنا إليكَ منكَ سلامًا
كركيًّا مُعطّرًا وكَلَاما
يا «مُؤابُ» العظيُم أنجِبْ كبارًا
قَدْرَ ما تستطيعُ أنجِبْ عِظاما
والكركُ، أبجديّاتٌ من العملِ السّياسيِّ، والوفاءِ والانتماءِ لهذه الأرضِ، وتاريخُ لعلماء كبارٍ من ابن القف الكركيّ في زمنِ المماليكِ، إلى ثائرِها الأوّلِ في القرنِ السّادس عشر يحيى الكركيّ ، إلى زمنِ المعلّمينَ الكبارِ في زمنِ الدّولةِ، ومنهم: عبد الله المدادحة، وداوود المجالي، ومصباح العابودي، وعمر التّميميّ، ومحمود أبو غنيمة، وخليل الكركيّ، ومحمود سيف الدّين الإيرانيّ، وفدوى طوقان، ولمعة الموصلي، وزكيّة الشّمايلة، وسِيَرٌ عظيمةٌ من معلّمي المدينةِ.
سلامًا عليها، وعلى أهلِها، وعلى شهدائِها، وقادتِها، سلامًا على ملامحِها الأردنيّةِ وعروبتِها النّاصعةِ، سلامًا على البطلِ حابس المجالي، وعلى حسين الطّراونة، وعودة القسوس، وفلاح المدادحة، وإبراهيم الحباشنة، ويوسف المبيضين وممدوح الصرايرة وغانم الزريقات ومنصور بن طريف، وخالد الطراونة وعبدالوهاب النوايسة وعبدالهادي المجالي؛ سلامًا لا يضيقُ هنا عندَ ذكرِ هؤلاء الكبار فقط، لكنّ المساحاتِ تضيقُ فالكرك كانت وستبقى ولادة جنداً ومعلمين وشهداء.
سلامًا على الشّيخةِ "حجزة العمرو" لمّا وقفتْ على الحدِّ السّوريِّ عامَ (1973م)، ونادَتْ خالد هجهوج، القائدِ والابنِ والجنديِّ، وقد طافَ بها طائفٌ من الوجد والشّوق:
قطعت أنا حدودِ سُوريّا
وأنا على الزِّينِ دوّاره
يا صاحبَ الشِّيكْ وافتحلي
ومن الكركْ جيِّتِ زوّارهْ
اندهلي خالدْ قفا البيبانْ
ربيع قلبي ونوّاره