أمهات عظيمات .. يقاتلن على خطوط تماس الحياة حتى الرمق الأخير
إخلاص القاضي
27-04-2026 05:31 PM
(السعادة) كان اسم الشارع الذي سكنا به وسكن فينا.. في محافظة اسمها الزرقاء في الأردن..
( الأمل) كان اسم الصيدلية التي نلجأ اليها للتشخيص وصرف الدواء..
(دمشق) كان اسم المحل الموازي لـ (حوش) بيتنا، نراه يلمع بنحاسه وتحفه، وكأننا في (ساحة المرجة)..
(الداغستاني) كان اسم المنجرة التي عهدناها، تمارس عملها، ملاصقة للسوق، وعلى مقربة من الأحياء السكنية، ولكن، لم نكن (ننزعج) منها، أو نشعر أنها، يجب أن تكون بالمناطق الصناعية المخصصة.. فلم نشتك عليها مرة للسلطات المحلية، بل لم نكن نسمح لانفسنا بايذاء جارنا مهما كان..
في الشارع الخلفي لـ (الزاروبة) التي احتضنت، الأقارب والأهل والجيران، كانت منجرة (لبنان) تنتج أجمل التحف والديكورات.
وفي شارع، قريب، كان السوري (المفتي) أجمل محل ممكن أن يصنع أثاثا منزليا، وكأنه استورد من أوروبا..
في شارع السعادة، كان الدكتور كامل حماتي، من أرقى الأطباء..
عدد من الدكاكين الصغيرة.. كانت لنا أجمل من (مولات) هذه الأيام..
وفي السعادة والأمل وأجواء العروبة بين لبنان ودمشق على أرض أردنية كنا نقطن (زاروبة) كأنها جامعة دول عالمية، بها الأصول والمنابت والمعتقدات.
كانت (حارة) من أرقى الحارات.. كيف لا وقد تخرجت على أيدي مربيات فاضلات أروع الشخصيات.. كانت (حارة) مفعمة بالحياة والعطاء والبساطة والبركة والرزق الحلال..
في هذه (الزاروبة) بالذات، مفارقة جميلة، ففي مثلث جغرافي صغير، كانت مساحة تربى بها بعض من شباب وفتيات، لمعوا في عوالم السياسة والإعلام والثقافة والإدارة المحلية..
تخرجوا من البيئة الجميلة ذاتها..
في ذلك المثلث الذهبي..
وفي أجواء العروبة والوطنية والقومية، ربت أمهات محاربات شخصيات لمعت، منها معالي الوزير أيمن الصفدي، ومعالي الوزيرة السابقة بسمة النسور، ورئيس بلدية في الولايات المتحدة ومدير مفوضية اقتصادية، غازي القاضي..
واللافت، أن أمهات هذه الشخصيات الثلاث هن صديقات ورفيقات درب منهن زوجات لرجال رجال في الجيش العربي الاردني، وأيضا كانوا أخوة وأصدقاء ويسود بينهم الاحترام والود وحسن الجوار وطيب المعشر..
ولا أتعجب كيف لبيئة بسيطة، أنجبت كل هذه الشخصيات، وغيرها.. لا أتعجب حين واكبت وعرفت أن وراءهم أمهات نحتن بالصخر من أجل تربية قويمة، فكانت النتيجة.. هذه.. بكل جمالياتها وإسقاطاتها وتحدياتها وصعوباتها وتفاعلاتها..
عودوا يا أمهات هذه الأيام للتربية القويمة، للصبر، لحسن إدارة البيوت والمصروف، لحسن استقبال الضيف وإكرامه، للواجبات الاجتماعية التي تعزز الحب والتقارب بين الناس.. للعطاء، للتضحية، للوجه البشوش، لعونة الأهل والجيران في مناسباتهم المختلفة.
عودوا للقيم والأصول والانتباه لأولادكم، لأكلهم، وشربهم، ومعرفة من يصادقون، ومع من يتحدثون، وإلى أين يذهبون، وكيف يدرسون.. وكيف يفكرون؟
أقول هذا لإن أمهات عشن في أجواء بسيطة عمادها البركة والصبر، خرجن قيادات..
ماذا أنتن فاعلات، وقد سكنتن البيوت الكبيرة والأحياء الراقية، ودرستن أولادكن في المدارس الاجنبية..؟ ولا أقول أنه يجب على أولادنا أن يصبحوا وزراء وشخصيات اعتبارية.. ليس بالضرورة، ولكن بالضرورة القصوى، أن نقدم لهم كل ما استطعنا اليه سبيلا، من علم وأدب ومعرفة وأصول ولياقة..
وبعد ...أقول ..بين السعادة والأمل.. قاسم مشترك دائم.. هو:
أمهات عظيمات.. على خطوط تماس الحياة وقسوتها.. يقاتلن حتى الرمق الأخير..