اللقاء التشاوري الخليجي وترسيخ الدبلوماسية الفاعلة في زمن الأزمات
السفير د. موفق العجلوني
29-04-2026 08:53 AM
* نحو أمنٍ إقليميٍ متكامل
في لحظة إقليمية تتسم بتصاعد التوترات وتعقّد المشهد الجيوسياسي، يبرز اللقاء التشاوري التاسع عشر لقادة دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، الذي عُقد في مدينة جدة برئاسة ولي العهد السعودي صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، حفظه الله بوصفه محطة مفصلية في مسار العمل الخليجي المشترك، وتجسيدًا حيًا لنهج دبلوماسي متوازن يسعى إلى صون الأمن والاستقرار، وتغليب منطق الحوار على احتمالات التصعيد.
لقد جاء هذا اللقاء في سياق حساس، حيث تواجه المنطقة تحديات أمنية غير مسبوقة، كان من أبرزها الاعتداءات التي استهدفت دول الخليج والمملكة الأردنية الهاشمية، في انتهاك واضح لسيادة الدول ولمبادئ القانون الدولي. ومن هنا، اكتسبت القمة التشاورية أهمية مضاعفة، إذ لم تقتصر على إدانة هذه الاعتداءات، بل أرست رؤية استراتيجية قائمة على أن أمن الخليج كلٌ لا يتجزأ، وأن أي تهديد لدولة عضو يُعد تهديدًا جماعيًا يستوجب موقفًا موحدًا.
وفي هذا السياق، أكد جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين حفظه الله أهمية هذه القمة في تعزيز التضامن العربي، واحتواء التوترات الإقليمية عبر مسارات دبلوماسية مسؤولة. كما عبّر الأردن عن دعمه الكامل لمواقف دول مجلس التعاون، مؤكدًا أن أمن الخليج يُعد امتدادًا للأمن القومي العربي، وأن أي استهداف لدوله ينعكس على استقرار المنطقة بأسرها.
كما جدّد الأردن تأييده الدائم للدول الخليجية، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، تقديرًا لدورها المحوري في ترسيخ الاستقرار الإقليمي، وقيادتها الحكيمة للجهود الرامية إلى توحيد الصف، واحتواء الأزمات. ويعكس هذا الموقف عمق العلاقات الاستراتيجية بين الأردن ودول الخليج، والتي تقوم على أسس راسخة من التنسيق السياسي والتعاون المشترك في مواجهة التحديات.
وفي هذا الإطار، برز الدور المحوري للمملكة العربية السعودية، التي لم تكتفِ باستضافة القمة، بل قادت حراكًا سياسيًا ودبلوماسيًا يعكس ثقلها الإقليمي ومسؤوليتها التاريخية في الحفاظ على تماسك المنظومة الخليجية. فقد أكدت الدعوة الكريمة من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وقيادة سمو ولي العهد لأعمال القمة، حرص المملكة على توحيد الصف الخليجي، وتعزيز التنسيق في مواجهة التحديات الراهنة.
كما عكست مخرجات اللقاء إدراكًا عميقًا لطبيعة المرحلة، حيث تم التأكيد على حق الدول في الدفاع عن نفسها وفقًا لميثاق الأمم المتحدة، بالتوازي مع السعي الجاد لإيجاد مسار دبلوماسي ينهي الأزمة، ويمهد لتفاهمات مستدامة تعالج جذور التوتر. وهذا التوازن بين الحزم والانفتاح الدبلوماسي يعكس نضجًا سياسيًا يهدف إلى تجنيب المنطقة مزيدًا من التصعيد، والحفاظ على مكتسبات الاستقرار.
وعلى الصعيد الخليجي، عزز اللقاء مفهوم التكامل في أبعاده المختلفة، سواء من خلال الإسراع في تنفيذ المشاريع الاستراتيجية المشتركة كشبكات النقل والربط الكهربائي وسكك الحديد، أو عبر تعميق التعاون العسكري وتطوير منظومات الإنذار المبكر. كما أظهر قدرة دول المجلس على التعامل مع الأزمات بكفاءة عالية، سواء في إعادة تأهيل البنية التحتية أو الحفاظ على استمرارية إمدادات الطاقة وسلاسل الإمداد.
أما على المستوى الدولي، فإن انعكاسات هذا اللقاء تتجاوز الإطار الإقليمي، إذ يبعث برسالة طمأنة للأسواق العالمية بشأن استقرار إمدادات الطاقة، ويؤكد التزام دول الخليج بحرية الملاحة، خاصة في مضيق هرمز، الذي يُعد شريانًا حيويًا للتجارة العالمية. كما يعزز صورة مجلس التعاون كشريك مسؤول في حفظ الأمن الدولي، وقوة استقرار في منطقة تعد من أكثر مناطق العالم حساسية.
من هنا ، يمكن القول إن اللقاء التشاوري الخليجي في مدينة جدة لم يكن مجرد اجتماع دوري، بل يمثل خطوة استراتيجية نحو ترسيخ منظومة أمن جماعي خليجي عربي قائمة على التضامن والتكامل، ومقاربة دبلوماسية تسعى إلى احتواء الأزمات بدلًا من تأجيجها. وفي ظل الدور القيادي للمملكة العربية السعودية، والدعم العربي الأصيل الذي تمثله المملكة الأردنية الهاشمية، تتعزز فرص بناء مرحلة جديدة من العمل المشترك، قوامها الوحدة والمرونة، وقدرتها على التفاعل الإيجابي مع متغيرات الإقليم والعالم .
* المدير العام - مركز فرح الدولي للدراسات و الابحاث الاستراتيجية
[email protected]