facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




بين اللا حرب واللا سلم: حين يصبح التوجّس استراتيجية


د. عبدالحفيظ العجلوني
29-04-2026 03:46 PM

ما يدفع الولايات المتحدة وإيران إلى البقاء في حالة “اللا حرب واللا سلم” ليس عجزًا عن الحسم، بل توجّسٌ عميق لدى الطرفين من تداعيات استئناف الأعمال الحربية. فالحرب، وإن بدت خيارًا قائمًا على الطاولة، تحمل في طياتها كلفة يصعب احتواؤها أو التنبؤ بمآلاتها، سواء على مستوى الإقليم أو الاقتصاد العالمي. وليس هذا التوجّس وحده ما يفسّر هذا السلوك، بل أيضًا ما تتيحه هذه الحالة لكل طرف من تحقيق مكاسب دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة. لذلك، يبدو أن الطرفين اختارا البقاء في مساحة رمادية، يتجنبان فيها الانفجار الكبير دون أن يقتربا من تسوية حقيقية. وبخاصة أن واشنطن باتت تستخدم الحصار البحري على الموانئ الإيرانية وسيلةً لتحقيق شروطها، بديلاً عن المواجهة العسكرية، مع استمرارها في التلويح بها.

هذه الحالة ليست سكونًا بقدر ما هي توترٌ مؤجل؛ إذ تتراكم عناصر الانفجار تحت السطح، بينما تُدار المواجهة بأدوات غير مباشرة: عقوبات اقتصادية، ورسائل عسكرية محسوبة، وضغوط سياسية تمتد عبر الإقليم. في ظاهرها، تبدو هذه المعادلة أقل خطورة من الحرب الشاملة، لكنها في الواقع تُنتج نمطًا أكثر تعقيدًا واستنزافًا، حيث لا حسم يُنهي الأزمة ولا استقرار يُعيد التوازن.

اقتصاديًا، يتحول هذا التوجّس المتبادل إلى عامل ضغط دائم على الأسواق العالمية، خاصة في قطاع الطاقة. فتقييد إيران لحرية الملاحة في مضيق هرمز، وكل تصعيد، ولو كان محدودًا، من أيٍّ من الطرفين، يُترجم فورًا إلى قلق في الإمدادات وارتفاع في الأسعار، ما ينعكس على تكلفة النقل والإنتاج والغذاء. وهكذا، تتحول أسعار النفط، وأجور الشحن والتأمين، إلى مقياس يومي لدرجة التوتر السياسي. ومع استمرار هذه الحالة، يتسلل التضخم إلى الاقتصادات، لا كصدمة عابرة، بل كواقع مستمر يعيد تشكيل أولويات الدول وسياساتها النقدية.

وفي قلب هذا المشهد، تجد الدول النامية نفسها الأكثر عرضة للتأثر؛ فهي لا تملك رفاهية المناورة الاقتصادية، لاعتمادها بدرجة كبيرة على استيراد الطاقة والمواد الأساسية. ومع ارتفاع الأسعار وتذبذب الأسواق، تتآكل قدرتها على تحقيق الاستقرار الداخلي، وتجد حكوماتها نفسها أمام معادلة صعبة: كيف تُوازن بين متطلبات الاستقرار الاجتماعي وضغوط الاقتصاد العالمي؟ وهنا، لا يعود الصراع مجرد شأن جيوسياسي، بل يتحول إلى عامل مباشر في تشكيل نوعية الحياة اليومية لملايين البشر.

أما على مستوى النظام الدولي، فإن استمرار هذه الحالة يُكرّس نمطًا جديدًا من الصراعات، حيث تُدار الأزمات دون حسم، وتُستخدم الأدوات الاقتصادية كبديل عن المواجهة العسكرية المباشرة. هذا التحول لا يعكس فقط تغيرًا في أدوات القوة، بل في طبيعة الصراع ذاته، الذي لم يعد يُقاس بنتائج المعارك، بل بسياسة عض الأصابع ومدى قدرة الأطراف على الصمود والاستنزاف طويل الأمد.

وربما يكون أخطر ما في هذه الحالة أن العالم بدأ يتكيف مع هذا الوضع، لا بوصفه أزمة طارئة، بل كواقع مستمر. فبدل البحث عن حلول جذرية للصراع، تتجه السياسات نحو حالة إدارة للمخاطر وتقليل للخسائر، وهو ما يعني ضمنيًا قبولًا ببقاء التوتر كجزء من النظام الدولي. ومع مرور الوقت، قد تتحول هذه الحالة من استثناء إلى قاعدة تُدار فيها الصراعات دون نهاية واضحة.

في النهاية، لا تبدو حالة “اللا حرب واللا سلم” مجرد مرحلة عابرة في الصراع الأمريكي–الإيراني، بل صيغة مريحة –ولو مؤقتًا– لطرفين يدركان أن كلفة الحسم أعلى من كلفة التردد. غير أن هذه الراحة النسبية تُحمِّل العالم كلفة مفتوحة، فيبقى عالقًا في دائرة قلقٍ مزمن لنهاية هذا الصراع: فلا سلام يُبنى عليه، ولا حرب تحسم نهايته.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :